وقد حكى أن القاضي عبد الجبار الهمداني أحد شيوخ المعتزلة دخل على الصاحب ابن عباد وعنده الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني أحد أئمة أهل السنة فلما رأى الأستاذ قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء فقال الأستاذ مجيباً له بالإشارة على الفور سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
فقال القاضي عبد الجبار أيشاء ربنا أن يُعصَى؟ فقال الأستاذ: أفيُعصى ربنا قهراً. [[وقرأ وقضى] ].
قال القاضي: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى أحسن إلى أم أساء؟
فقال الأستاذ إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء.
وقد روي أن رجلاً من الخوارج قال لعلي رضي الله عنه: أرأيت من جنبني سبيل الهدى وسلمك بي سبيل الردى أحسن إليَّ أم أساء؟
فقال علي: إن كنت قد استوجبت عليه حقاً فقد أساء، وإن كنت لم تستوجب عليه شيئاً فهو يفعل ما يشاء.
(القدر سر الله في الأرض)
وسأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيضاً فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر فقال: القدر طريق مظلم لا تسلكه فأعاد السؤال. قال بحر عميق لا تلجه. فأعاد السؤال قال سر الله في الأرض قد خفي عليك لا تفتش عنه.
وقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات القدر وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرها ونفعها وضرها. قال الله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} فهو ملك الله تعالى بفعل ما يشاء ولا اعتراض على المالك في ملكه ولأن الله تعالى لا علة لأفعاله.
ثم قال الإمام أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد المعقول فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله ضرب دونه الأستار اختص به الله تعالى وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة وواجب أن نقف حيث حد لنا ولا نتجاوزه وقد طوى الله تعالى علم القدر عن العالم فلم يعلمه بني مرسل ولا ملك مقرب وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف قبل دخولها والله أعلم.