ومن عظيم الجرم أيضا أن نعزل العقل عن تشخيص أفعاله تعالى في مرحلتي التكوين والتشريع أعني أحكام العقل النظرية والعملية.
أما في مرحلة النظر فكأن نستخرج القوانين الكلية النظرية من مشاهدة أفعاله، ونسلك بها إلى ثبات وجوده حتى إذا فرغنا من ذلك رجعنا فأبطلنا أحكام العقل الضرورية معتلا بأن العقل أهون من أن يحيط بساحته أو ينال كنه ذاته ودرجات صفاته، وأنه فاعل لا بذاته بل بإرادة فعلية، والفعل والترك بالنسبة إليه على السوية وأنه لا غرض له في فعله ولا غاية، وأن الخير والشر يستندان إليه جميعا، ولو أبطلنا الأحكام العقلية في تشخيص خصوصيات أفعاله وسننه في خلقه فقد أبطلناها في الكشف عن أصل وجوده، وأشكل من ذلك أنا نفينا بذلك مطابقة هذه الأحكام والقوانين المأخوذة من الخارج للمأخوذ منه، والمنتزعة للمنتزع منه وهو عين السفسطة التي فيها بطلان العلم والخروج عن الفطرة الإنسانية إذ لو خالف شيء من أفعاله تعالى أو نعوته هذه الأحكام العقلية كان في ذلك عدم انطباق الحكم العقلي على الخارج المنتزع عنه - وهو فعله - ولو جاز الشك في صحة شيء من هذه الأحكام التي نجدها ضرورية كان الجميع مما يجوز فيه ذلك فينتفي العلم، وهو السفسطة.