فله أن يتصرف في الإدراك الإنساني بما يتعلق بالحياة الدنيا في جميع جهاتها بالغرور والتزيين فيضع الباطل مكان الحق ويظهره في صورته فلا يرتبط الإنسان بشيء إلا من وجهه الباطل الذي يغره ويصرفه عن الحق ، وهذا هو الاستقلال الذي يراه الإنسان لنفسه أولا ثم لسائر الأسباب التي يرتبط بها في حياته فيحجبه ذلك عن الحق ويلهوه عن الحياة الحقيقية كما تقدم استفاده ذلك من قوله المحكي:"فبما أغويتني لاقعدن لهم"الأعراف: 16 ، وقوله:"رب بما أغويتني لازينن لهم في الأرض"الحجر: 39 .
ويؤدي ذلك إلى الغفلة عن مقام الحق وهو الأصل الذي ينتهي ويحلل إليه كل ذنب قال تعالى:"ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الإنس والجن لهم قلوب لا يفقهون بها"
ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون"الأعراف: 179 ."
فاستقلال الإنسان بنفسه وغفلته عن ربه وجميع ما يتفرع عليه من سيئ الاعتقاد وردئ الأوهام والافكار التي يرتضع عنها كل شرك وظلم إنما هي من تصرف الشيطان في عين إن الإنسان يخيل إليه أنه هو الموجد لها القائم بها لما يراه من استقلال نفسه فقد صبغ نفسه صبغة لا يأتيه اعتقاد ولا عمل إلا صبغه بها .
وهذا هو دخوله تحت ولاية الشيطان وتدبيره وتصرفه من غير أن يتنبه لشيء أو يشعر بشيء وراء نفسه قال تعالى:"إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون"الأعراف: 27 .