وَأَمَّا حِكْمَةُ التَّشْرِيعِ فِي دِينٍ عَامٍّ يُطَالِبُ جَمِيعَ الْبَشَرِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ بِالِاهْتِدَاءِ بِهِ فَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِمَّا وَرَدَ مِنْ يُسْرِ شَرِيعَتِهِ وَعَدَمِ إِعْنَاتِهَا لِلْبَشَرِ ، وَمَبْنِيَّةٌ عَلَى بُلُوغِ هَذَا النَّوْعِ فِي جُمْلَتِهِ دَرَجَةَ الرُّشْدِ الَّذِي يَسْتَقِلُّ بِهِ فِي شُئُونِ حَيَاتِهِ الْمَعَاشِيَّةِ وَالْمَعَادِيَةِ فَلَا تُقَيِّدُهُ فِيهَا إِلَّا بِمَا يَزِيدُ فِي الصَّلَاحِ وَالتَّقْوَى وَتَزْكِيَةِ الْأَنْفُسِ وَلَيْسَ فِي تَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوهُ مِنْ غَيْرِ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي فِي الْآيَةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى مَا حَرَّمَهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ '"خَاصَّةً عُقُوبَةً لَهُمْ ، لَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أُصُولِ شَرْعِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ قَبْلُهُمْ أَوْ بَعْدَهُمْ ، فَكَانَ مِنَ الْمُلْحَقِ بِالْمُسْتَثْنَى"فِي الْآيَةِ بِالْعَطْفِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ بَعْدَ نَفْيِ تَحْرِيمِ أَيِّ طَعَامٍ عَلَى أَيِّ طَاعِمٍ اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْعَامِّ مَا حَرَّمَهُ تَحْرِيمًا عَامًّا مُؤَبَّدًا عَلَى غَيْرِ الْمُضْطَرِّ ثُمَّ مَا حَرَّمَهُ تَحْرِيمًا عَارِضًا عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ لِسَبَبٍ خَاصٍّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ رَسُولٌ آخَرُ يُبِيحُهُ لَهُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: