لقد خلق الله آدم من الأرض، فمن الطين كوّن الله كل عناصر جسده، فيما عدا سر الحياة الذي لا يدري أحد كيف جاء، وفيما عدا تلك النفخة العلوية التي جعلت منه إنساناً.
ونحن نجهل كنه هذه النفخة، وهذه الروح، فما أحد يعلمها إلا الله كما قال سبحانه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا
قَلِيلًا (85) [الإسراء: 85] .
ولكننا نعرف آثارها، فآثارها هي التي ميزت هذا الكائن الإنساني عن سائر الخلائق في هذه الأرض.
ميزته بالقابلية للرقي العقلي والروحي، فجعلت عقله ينظر تجارب الماضي، ويصمم خطط المستقبل، ويتقي ويحذر.
وجعلت روحه تتجاوز المدرك بالحواس، والمدرك بالعقول، ليتصل بالغيب المجهول للحواس والعقول.
وخاصية الارتقاء العقلي والروحي خاصية إنسانية بحتة، لا يشاركه فيها أحد من الأحياء في هذه الأرض سوى الجن.
لقد نفخ الله عزَّ وجلَّ من روحه في هذا الكائن البشري، لأن إرادته اقتضت أن يكون خليفة في الأرض، وأن يتسلم بأمر الله مقاليد هذا الكوكب في الحدود التي قدرها الله له، وهي الخلافة في الأرض كما قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا} [البقرة: 30] .
وقد أودع الله الإنسان القدرة على المعرفة، ومن يومها وهو يرتقي كلما اتصل بربه، واستمد منه منهج الحياة، وقام بأمر الخلافة الراشدة.
وما كان لهذا الإنسان الصغير الحجم، القصير الأجل، المحدود المعرفه، أن ينال شيئاً من هذه الكرامة، لولا لطف ربه وكرمه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) } [الإسراء: 70] .
فلله كم كرامة؟، وكم نعمة؟، وكم رحمة حصلت للبشرية في خلق آدم .. وفي سجود الملائكة له .. وفي سكنه الجنة .. وفي إهباطه إلى الأرض .. وفي كونه خليفة في الأرض .. وفي نسله وذريته .. ؟
فقد أظهر الله فضل آدم على الملائكة بما خصه من العلم الذي لم تعلمه الملائكة.