وقد منَّ الله على آدم بنعم كثيرة، وعلمه الإيمان والتوحيد، ومعرفة ربه، وألهمه اليقين على ذاته وأسمائه وصفاته، وحذره من عدوه الشيطان بقوله: {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) } [طه: 117] .
وإبليس أول من اجتهد لتغيير اليقين على ذات الله، إلى اليقين على الأشياء، بإغراء آدم بالأكل من الشجرة، ليحصل له الملك والخلد.
فالشيطان أول من أفسد يقين آدم .. ولا يزال يفسد يقين ذريته .. فهو جاهد على البشر .. ليحول يقينهم على ربهم، إلى اليقين على المخلوق .. ويشغلهم بالأموال والأشياء عن الإيمان والأعمال الصالحة .. ويزين لهم العادات
والتقاليد بدل السنن والأحكام .. ويغريهم بالخلود في الدنيا .. وينسيهم ذكر الموت والآخرة.
ولكن الله تاب على آدم وهداه، وحذر ذريته من طاعة عدوهم الشيطان الذي غر أباهم، حتى وقع في المعصية.
وآدم لما طلب الخلود في الجنة من جانب الشجرة التي أغراه الشيطان بالأكل منها، عوقب بالخروج منها.
وكذلك يوسف لما طلب الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا، عوقب باللبث فيه بضع سنين.
وذلك كله بإغواء الشيطان وتزيينه، وحرصه على إفساد يقين العباد، ليعصوا ربهم، ويطيعوه فيهلكون معه.
وحين خلق الله آدم قال الله للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] .
فقالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] .
فقال الله لهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) } [البقرة: 30] .
لقد خلق الله آدم، وأكرمه وأسكنه جنته، وابتلاه ليربيه، فسلط عليه عدوه بعد أن حذره منه، ولكنه ضعف وعصى ربه، فأهبطه الله إلى الأرض.
هبط إلى الأرض مؤمناً بربه، مستغفراً من ذنبه، مأخوذاً عليه عهد الخلافة أن يتبع ما يأتيه من ربه، ولا يتبع الشيطان والهوى.
ثم مضى به الزمن، وجاءت ذريته، وبث الله من نسله رجالاً كثيراً ونساء.