وقوله تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} ، حكاية عن الذين يذكرون الله ويتفكرون في خلقه، هو تصوير كاشف للنهاية المنطقية والحتمية التي يصل إليها المفكر المؤمن عن طريق تأمله في الملك والملكوت، إذ تلوح له حكمة بديع السماوات والأرض وقدرته وعلمه على وجهها الكامل، وذلك منسجم مع قوله تعالى في سورة النساء: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} ، وقوله تعالى في سورة الدخان- {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .
وبعدما حكى كتاب الله هذا القول عن أولي الألباب الذين يذكرون الله ويتفكرون في خلقه، إعجابا منهم بقدرته وحكمته، حكى قولهم أيضا في مناجاته {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} إعرابا عن خوفهم من عقابه،
وتجنبهم لأسباب خزيه وعذابه، ثم حكى قولهم في مناجاته {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} شهادة على أنفسهم بالإيمان بالله ورسوله، وأملا في الالتحاق بركب (الأبرار) الأبرار الذين ضربوا الرقم القياسي في"البر"حتى عرفوا بوصفه بين الناس، إذ بروا بملتهم وأمتهم وأسرتهم برورا يشمل الآباء والأبناء والأرحام، وجميع أهل الإسلام.
وأخيرا حكى الحق سبحانه وتعالى قوله في مناجاته: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} ثقة منهم بوعد الله الذي جاء على ألسنة رسله، ذلك الوعد الذي ينتظره الأبرار الصالحون في موعده بكل ثقة واطمئنان.