وقال في موضع آخر: واستدل بعض العلماء بهذا الحديث:"لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا" (3) على كراهة الشعر مطلقًا قليله وكثيره، وإن كان لا فحش فيه وتعلق بقوله - صلى الله عليه وسلم - خذوا الشيطان، وقال العلماء كافة هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه، قالوا وهو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وهذا هو الصواب فقد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الشعر واستنشده وأمر به حسان في هجاء المشركين، وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار وغيرها، وأنشده الخلفاء وأئمة الصحابة وفضلاء السلف ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه؛ وإنما أنكروا المذموم منه وهو الفحش ونحوه.
وقال الطبري: وقوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} يقول تعالى ذكره: وما علمنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - الشعر وما ينبغي له أن يكون شاعرًا، كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} قال: قيل لعائشة: هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس فيجعل آخره أوله وأوله آخره، فقال له أبو بكر: إنه ليس هكذا فقال نبي الله: إني والله ما أنا
بشاعر ولا ينبغي لي.
وقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ} يقول تعالى ذكره: ما هو إلا ذكر يعني بقوله: {إِنْ هُوَ} أي: محمد إلا ذكر لكم أيها الناس، ذكركم الله بإرساله إياه إليكم ونبهكم به على حظكم: {وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} يقول: وهذا الذي جاءكم به محمد قرآن مبين؛ يقول: يبين لمن تدبره بعقل ولب أنه تنزيل من الله أنزله إلى محمد وأنه ليس بشعر ولا سجع كاهن. كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة: {وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} قال: هذا القرآن.
وقال أبو السعود: وقوله:"هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت"فمن قبيل الاتفاقات الواردة من غير قصد إليها وعزم على ترتيبها.