{وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ} أي: مَنْ كانَ قَصْدُهُ بِعِمْلِهِ ثَوَابَ الآخرة. قال عطاء: يعني: زينَتَها ومُلْكَها وسُرُورَهَا.
{نُؤْتِهِ مِنْهَا} . يعني بهذا: أولئك الذين ثَبَتُوا يومَ أُحُد حتى قُتِلُوا.
أعْلَمَ الله - تعالى - أنَّهُ يُجازي كُلًّا على قَصْدِهِ وإرادته، فَمَنْ نَصِبَ للدنيا، وعمل لها، أُعْطِيَ منها حظًّا على قَدْرِما قُسِمَ له، ومَن عَمِلَ للآخرة فاز بها، كما رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله:"الأعمال بالنيَّاتِ"، الحديث المعروف.
وأَنَّثَ الكِنَاية في {مِنْهَا} ، - وهي في المعنى راجعةٌ إلى الثواب - ؛ لأن ثوابَ الدنيا، هو: الدنيا، وثوابَ الآخرة، هو: الآخرة. فرجوع الكِنَايَةِ إليها، كرجوعها إلى الثواب. ويقول القائل: (اللهم ارزقني الآخرة) ؛ وهو يريد: ثوابَها.
وقوله تعالى: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} قيل: إنَّه تكريرٌ للتأكيد الذي يُوجِبُ تمكين المعنى في النَّفْسِ؛ لأنه قد قال في الآية الأولى: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} .
وقال محمد بن إسحاق: فيه إشارةٌ إلى أنَّ مَنْ أرادَ بِعَملِهِ الآخرةَ،
أُعْطِيَ ثوابَها، ولَمْ يُحْرَمْ مِن الدنيا ما يُعطَاه مِنْ عَمَلِ الدنيا، مِمَّا قُسِمَ له.
146 -قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ} .
اجتمعوا على أنَّ معنى (كَأَيِّنْ) : كم؛ وتأويلها: التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم. والكاف في (كَأَيِّنْ) كافُ التَّشْبِيه، دخلت على (أيٍّ) ، التي هي الاستفهام - ، كما دخلت على (ذا) مِن (كَذَا، و(أَنَّ) مِن (كَأَنَّ) ، ولا معنى للتشبيه فيه، كما أنه لا معنى للتشبيه في (كَذَا) ؛ لأنك تقول: (لي عليه كَذَا وكَذَا) ؛ معناه: لي عليه عددٌ مَّا. فلا معنى للتشبيه. إلا أنها زيادةٌ لازمةٌ، لا يجوز حذفُها.
ولم يقع للتنوين صورةٌ في الخط، إلا في هذا الحرف خاصَّةً.