وجه الاعتبار: أن المقيم في هذه الدنيا على أي حالة من نعمى أو بؤس، أو صحة أو مرض، فإن ثواه فيها قليل، ولا بد من الموت والانتقال إلى دار أخرى، واستعمال الدواء لا يفيد دفاع الموت - وإن أفاد البرء من المرض - فلا ينبغي الاهتمام به، بل بما ينفع في الدار الآخرة، فإن عادًا وثموداً، وسائر الأمم الماضية انقضت أيامهم، وبقيت آثامهم، فينبغي أن لا يكون على ما كانوا عليه من الاهتمام بنعيم الدنيا، ودفع مكروهها، بل بما نحن إليه صائرون، وعليه عابرون.
وقال أبو العتاهية في معنى كلام الربيع: من الكامل
إِنَّ الطَّبِيْبَ بِطِبِّهِ وَدَوائِه ... لا يَسْتَطِيع دِفاعَ مَكْرُوهٍ أتىْ
مَا لِلطَّبِيْبِ يَمُوْتُ بِالدَّاءِ الَّذِيْ ... قَدْ كانَ يُبْرِيْ مِنْهُ فِيْما قَدْ مَضَىْ
ذَهَبَ الْمُداوِيْ وَالْمُداوَىْ والَّذِيْ ... جَلَبَ الدَّواءَ أوْ باعَهُ وَمَنِ اشْتَرَىْ
وفي"الحلية"عن الربيع بن خُثيم - أيضاً - قال: عجبت لملك الموت، وإتيانه ثلاثة:
1 -مَلِك ممتنع في حصونه، فيأتيه فينزع نفسه، ويدع مُلْكَه خلفه.
2 -ومسكين منبوذ بالطريق يقذره الناس أن يدنوا منه، لا يقذره ملك الموت، فينزع نفسه.
3 -وطبيب نحرير يداوي الناس، فيأتيه فينزع نفسه، ويدع طبه خلفه.
ووجه تعجبه من إتيان ملك الموت هؤلاء الثلاثة: أن الموت رصد لهم، والملك غافل عنه لشغله بملكه، والفقير ناس له لاشتغاله بالفقر، وخوفه مما يترتب عليه من جوع، أو عري، أو غيرهما، والطبيب مشغول بتشخيص علل غيره، وعلاجه، وسعيه في نفع من سواه، فجاءه الموت فأبطل حركته، وعطَّل علاجه، ولم يمكنه دفعه عن نفسه، وجاء المسكين فأخذه قبل نزول ما كان يتوقعه من المكروه، وجاء الملك فأخلى منه
دساكره، وشتَّت عنه عساكره، وعطل منه مجالسه ومناصبه، ونقل إلى غبرة خدامه ومراكبه، فسبحان من شغل ما شاء من القلوب عن قصد الفوز في دار الآخرة ونيل المطلوب.