(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ويدخل فِي العالمين:
الحيوان ، والنبات.
وأنَّى اتجه الإنسان وجد إنسانية الإسلام ، وجدها في
كل دقيق وجليل منه ، فقد ظهر الإسلام فِي بيئة قائمة على
العصبية والقومية ، وكان لهما مطلق السلطان ، وكان للدم
والنسب أعظم شأن ، ومحمد نفسه من أعظم نسب ، وبلغ
بالعرب التعصب إلى حد إطلاقه على كل أجناس البشر
العجم يقابل العرب ، تقريراً منهم بهبوط غيرهم وعلوهم
وحدهم.
وكان بوسع رسول الإسلام أن ينتفع بهذه العصبية في
نصر دعوته ، ولكنه لا يتخذ ما حُرِّم وسيلة إلى غايته ، لأن
الغاية الشريفة تحتم أن تكون الوسيلة شريفة ، ولهذا جابه
من أول دعوته العصبية والقومية ، لأن الإسلام لم يكن
ديناً لقوم ، بل دين الإنسانية كلها ، وليس فيه فخر
بالأنساب ، ولا مجد بالدم ، بل الفخر كله للعمل الإنساني
الصالح الذي تلخصه كلمة التقوى ، فقال الله فِي محكم
كتابه: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى".
وارتفع العِبِدَّى إلى أعلى ذروة فِي الإسلام بالتقوى ،
وهبط السادة ذوو النسب الأرفع إلى الحضيض لبُعدهم عن
التقوى ، فصعد بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب
الرومي إلى مكانة عليا حتى وضعهم رسول الإسلام فِي صفه
فقال:"السُّبَّاق فِي الإسلام أربعة: أنا سابق العرب ، وبلال"
سابق الحبشة ، وسلمان سابق الفرس ، وصهيب سابق الروم"."
والمساواة فِي الحقوق والواجبات مضمونة ، فلا تمييز بين
الناس بسبب المال والجاه والنسب والعلم ، فالتكاليف
واحدة ، والحقوق واحدة ، والتفضيل موجود ، ولكنه ليس
بسبب المال ، وإنما يفضل الغني إذا وسع بماله الفقراء ،
ودرجة أهل العلم أعلى إذا نفعوا بعلمهم.
وإذا كانت المساواة مقررة فِي الإسلام فإن المفاضلة