سادسًا: جعلها الله في وادٍ غير ذي زرع؛ حتى يقصدَها الحاجُّ مخلصًا لله تعالى، ولو كانت ذاتَ حدائقَ لاختلَط القصدُ عند بعضهم بالسياحة، وقد أراد الله من الحاجِّ أن يتجرَّد له، فأمره بخلع ملابسه ولبس الإحرام، وحرَمه من أطيب اللذَّات، وهما: الطِّيب والنِّساء، فكيف يريده متجرِّدًا له، ثم يُقيم له الحدائقَ الغنَّاء، والأنهار العَذبة، والطبيعة الفاتنة التي ستُلهيه عن ذكر الله؟! ولذلك ساعد الله عباده بأن جعلَها بواد غير ذي زرع؛ لكي لا يَشغَل أنظارهم وأفئدتهم سحرُ الطبيعة الغنَّاء، فيكون القصد خالصًا لوجهه الكريم.
والإخلاص لله تعالى مطلوب في كل الأعمال والأحوال، ومن ذلك في شعيرة الحج، ولا بد أن يصحب الإخلاصَ صوابُ العمل، ومن صوابه في رحلة الحج أن يكون الحجُّ من مالٍ حلالٍ، وقد جسَّد هذا المعنى أبو الشمقمقِ، فقال:
إذا حججتَ بمالٍ أصلُه دنسٌ
فما حجَجتَ ولكنْ حجَّتِ العيرُ
ما يقبل اللهُ إلاَّ كلَّ طيبةٍ
ما كلُّ مَن حجَّ بيتَ اللهِ مبرورُ
سابعًا: ومكَّة بعيدةٌ عن مراكز الحضارةِ في بلاد فارسَ والروم، وأهلها أميُّون، وكان بعض العرب يَدفعون الضرائب للأمم الأخرى؛ اتقاءً لشرِّها، فكيف يُعقل أن تَخرج شريعةٌ ذات قوانينَ تعلِّم الناس قواعدَ الحضارة والتعايش السلميِّ من قلب الصحراء؟! إنها النبوَّة ولا احتمال غير هذا، وخروج الشيء من غير موضعه المعتاد أظهَرُ لقدرة الله تعالى، ودليلٌ على أن معجزةً ما قد حصلت.
وقد أقرَّ بهذا هرقلُ عظيم الروم في حديثه مع أبي سفيان، وذكَر بأن محمدًا هو نبي آخر الزمان، وهذا من فضل الله على أهلها والعرب؛ قال تعالى يتحدث عن النقلة النوعية للعرب بفضل الإسلام:"هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ" [الجمعة: 2] .