ثالثًا: موقعها المتميِّز في منتصف الطريق بين الشام واليمن أتاح لها لعبَ دور اقتصادي وتجاري بين الشعوب، فأدَّت خدمة للإنسانية عبر تجسير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين اليمن الذي تصبُّ فيه البضائع الإفريقية والآسيوية، وبين الشام المحكومة من قبل الرُّوم، كما كانت جسرًا بين نجدٍ وشرق الجزيرة من جهة، وإفريقيا من جهة ثانية.
رابعًا: بسبب موقعها الإستراتيجي كان هنالك استقرارٌ اجتماعي وديني وسياسي واقتصادي بمكَّة، فهيَّأ الله لسكناها خير قبيلة في الأرض، وقريش منسوبة إمَّا إلى نوع من السمك؛ كما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما، أو إلى القِرش؛ فقد ربحوا وكدَّسوا الأموال من تجارتهم، وأيًّا كانت النسبة فهي تدل على الثروة السمكية الغذائيَّة، أو على الثروة المعدنية المتداوَلة في الأسواق، وفي الحالتين كان هنالك استقرار اقتصادي، هيَّأهم لاستقبال الإسلام، فلا يمكن لجائع أن يستقبل رسالةً أو يقوم بدين.
وفي وصايا عمرَ لعمَّاله (حكَّام الأقاليم) قال لهم:"ولا تُجيعوهم - يقصد الرعية - فتكفروهم".
وأما كون قريش خيرَ قبيلة في الأرض، ففي الحديث النبوي ما يؤكِّد ذلك؛ فعن عمرو بن دِينار عن عبدِالله بن عمر رضي الله عنهما قال:"بينما نحنُ جلوسٌ بفِناء رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذ مرَّتِ امرأةٌ، فقال رجلٌ مِن القوم: هذه ابنةُ محمد، فقال أبو سفيان: إنَّ مَثَل محمد في بني هاشم مَثَلُ الرَّيحانة في وسط النَّتَن، فانطلقتِ المرأةُ فأخبرتِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فخرَج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُعرَف الغضبُ في وجْهِه، فقال: (( ما بالُ أقوالٍ تَبلغُني عن أقوامٍ! إنَّ الله تبارك وتعالى خَلَق السمواتِ فاختار العُليا، فأسكنها مَن شاء مِن خَلْقه، ثم خَلَق الخَلْق فاختار مِن الخلْق بني آدم، واختار مِن بني آدم العَرَبَ، واختار مِن العرب مُضرَ، واختار مِن مُضرَ قريشًا، واختار مِن قريشٍ بني هاشم، فأنا مِن بني هاشمٍ؛ مِن خيارٍ إلى خيارٍ، فمَن أحبَّ العربَ فبحُبِّي أحبَّهم، ومَن أبغض العربَ فببُغْضي أبغضَهم ) )؛ رواه الحاكم في"المستدرك"."