وأعاده ركناً نقياً كما كان مكان البناء والعمارة جاريين على يدي إبراهيم وإسماعيل والتنزه والطهارة واقعين على يدي نبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم - جميعاً.
ثم إن الله - عز وجل - جعله قبلة للناس، فقال: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} .
وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلّم -: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} .
وإن فرض مع هذا كله قصده وزيارته، وأمر عباده أن يحفوا حوله بالطواف إظهاراً للولوع والملازمة له، كما يحف العبيد ببيوت ساداتهم، ثم يشرع لهم لذلك القصد آداباً، وهيأ قبله أسباباً، بها تيم منهم التعظيم، ويكمل الإجلال والتفخيم، ويتوفر التشريف والتكريم كما سبق بيانه حباً به، وتفضيلاً لم يكن في ذلك ما ينكره إلا ضعيف عقله سفيه، وأنه كما قال الله عز وجل: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} ، وبالله التوفيق.
(فصل)
فأما ما دون البيت من المسجد فلا يعتد به، وأما خارج المسجد ففي تقدير الحرم للمسجد إلى آخر حدود الحرم، وجملة الحرم ما أذكره وهو على طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت تقارب ثلاثة أميال، ومن طريق اليمن طرف أصله لبن في بينة لبن سبعة أمثال.
ومن طريق جدة منقطع الأعشاش عشرة أميال، ومن طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نمره أحد عشر ميلاً، ومن طريق العراق على بينة جبل بالمنقطع سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة شعب أبي عبد الله بن خالد سبعة أميال.
وجاء في الآثار: أن إبراهيم أول من نصب أنصاب الحرم، وأن جبريل عليه السلام دله على مواضعها، فإن غنم إسماعيل كانت ترعى في الحرم، ولا تجاوزه ولا تخرج، فإذا بلغت منتهاه من ناحية من نواحيه رجعت حنانة فيه.
وقيل أن حدود الحرم مواقف الملائكة التي كانت تحرس آدم لئلا تؤذيه الشياطين والسباع، ثم إنه قد جاء في تعظيم البيت والحرم أخبار: فمنها ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه وقف على الحجون يوم الفتح فقال: «والله إنك لخير أرض وأحب أرض الله إلى الله، ولو أني أخرجت منك ما خرجت» .