ولهؤلاء نقول: ولماذا تذكرون تعظيم الحجر الأسود ، ولم تذكروا رجم إبليس وهو ثلاثة أحجار ؟ لقد عظم المؤمن المؤدي للنسك حجرا واحدا ورجم ثلاثة أحجار ، إن المؤمن إنما يطيع أمر الله ، فليست للحجر أي ذاتية فِي النسك أو العبادة. لقد رفعنا الحق من حضيض عبادة الأصنام التي هي عين الكفر ، لكنه قال لنا:"قبلوا الحجر الأسود"فقد قبلنا الحجر احتراما لأمر الآمر ، وذلك هو منتهى اليقين. لقد نقلنا الحق من مساو إلى مساو ، من عبادة الحجر إلى تعظيم وتقديس حجر مثله ، لكن الأصنام كانت منتهى الشرك ، وتقبيل الحجر الأسود منتهى اليقين. أليست هذه آيات بينات ؟
وزمزم التي توجد فِي حضن الكعبة ، أليست آيات بينات ؟ إن"هاجر"تترك الكعبة وتروح إلى"الصفا"وتصعد إلى"المروة"بعد أن تضع"إسماعيل"بجانب الكعبة ، وتدور بحثا عن المياه. وسعت هاجر سبعة أشواط لعلها ترى طيرا أو تجد إنسانا يعرف طريق المياه لأن ابنها يحتاج إلى الشرب ، ولو أنها وجدت على الصفا أو المروة مياها فِي أول سعيها أكانت تجد تصديقا لقولها لإبراهيم عندما جاء بها للإقامة فِي هذا المكان"إن الله لا يضيعنا"إنها سعت.
وكأن الله يقول لها ولكل إنسان: عليك بالسعي ، ولكن لن أعطيك من السعي ، إنما أعطيك الماء تحت رجل إسماعيل. إذن فصدقت فِي قولها: لن يضيعنا الله ، لقد جعلها الحق سبحانه تسعى سبعة أشواط ، ولا يمكن لامرأة فِي مثل عمرها أن تقدر على أكثر من ذلك ، وهذا يعلمنا أن الإنسان عليه أن يباشر الأسباب ، ولكن القلب عليه أن يتعلق بمسبب الأسباب ، وهو الله سبحانه ، وفي هذا ما يعدل سلوك الناس جميعا. فساعة يرى الإنسان أن البئر مكان قدم إسماعيل وعلى البعد تكون الصفا والمروة ، وتسعى بينهما ، وبعد ذلك تجد زمزم مكان ضربة قدم إسماعيل ، أليس فِي هذا آيات بينات تهدى الإنسان أن يباشر الأسباب ويأخذ بها ، ويتعلق القلب بمسبب الأسباب ؟