وحين تنظر هذه النظرة ستجد العالم متواجها ؛ لأن كل عابد سيكون اتجاهه إلى بيت الله مع بقية العابدين لله ، فيلتف المؤمنون كلهم حول بيت الله ، ويتواجهون ، إن وجوهنا كلها تُقابل بعضها بعضا ، ولكن ما ضرورة الاتجاه للكعبة ؟ والحق سبحانه يقول:
{وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115]
نقول: إن هذه الآية تؤيد ما نقوله ، فما دام لله المشرق والمغرب ، فهذا هو المعنى العام ، فالناس أول ما عرفوا الكون تعرفوا على المشرق والمغرب ثم الشمال والجنوب أيضا ، وبعد أن توصل العلم إلى تحديد الجهات الفرعية بجانب الجهات الأصلية الأربع المعروفة عرفنا"الشمال الشرقي"و"الشمال الغربي"و"الجنوب الشرقي"و"الجنوب الغربي". إذن فكل المتجهات لله ، والاتجاه للكعبة يحقق هذا القول الكريم.
وعندما يتجه إنسان إلى الكعبة فقد يكون الشرق خلفه ، ويكون الغرب أمامه ، ويتجه إليها إنسان آخر إلى الكعبة ، فيتقابل وجهه مع وجه المتجه للكعبة ، وثالث يتجه إلى الكعبة ، فيكون فِي زاوية أخرى ناظرا إليها ، وهكذا يلتف البشر من الشرق والغرب والشمال والجنوب وكل الجهات الفرعية حول الكعبة.
إذن فقول الحق: {وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} أي جميع الخلق متجه إلى الكعبة ، وبذلك لا تكون هناك جهة أولى بالله من جهة أخرى. وأنا لا أريد أن أدخل فِي متاهة أنّ الكعبة مركز الأرض وأن الأرض خلقت منها ؛ لأن الشيء إذا كان مكورا فأي نقطة فيه تكون مركزا للجميع ، لذلك فلنترك مثل هذا الكلام ، لكن ألا يكفي أن يرجحها أن الله قد اختارها ؟ إن ذلك يكفي وزيادة ، وبذلك ينتهي الأمر ، إنها كذلك ؛ لأنها بيت الله باختيار الله ، وهذا يكفي.