لكن هناك فارقا بين أي مكان نعبد الله فيه والمسجد ، فنحن نرى العامل يعبد الله فِي المصنع والتلميذ يعبد الله فِي الفصل ، والفلاح يعبد الله ويؤدي الفروض فِي الحقل ، ويمكن للسائر فِي الشارع أن يؤدي صلاته فِي أي مكان ، وأن يزاول عمله بعد ذلك ، ولكن حين يُحَيِّز الإنسان مكانا ليكون بيتا لله ، فمحظور أن يزاول فيه نشاطا آخر من نشاطات الحياة ؛ إنه مكان مُحيز.
إن العبادة كلها مقبولة ، ولكن هناك فارقا بين مكان تعمل فيه ومكان تخصصه ليصير مسجدا. فالمسجد هو مكان لا يزاول فيه إلا لقاء الله ، لذلك أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نستغل هذا الحيز فِي أي أمر يتعلق بدنيانا ، وقد أوضح لنا - صلى الله عليه وسلم - أن الذي يعقد صفقة فِي المسجد لم يبارك الله فيها ، والذي ينشد فيه شيئا ضالا له لن يجده. فقد دعا الرسول ألا يرد الله عليه ضالته.
إن أمور الدنيا يكفيها أن تأخذ من الإنسان كل يوم ثلاثا وعشرين ساعة ، فليخصص الإنسان المؤمن ساعة لله وحده ، وليخلع كل أغراض الحياة الدنيا كما يخلع النعال على باب المسجد. فليس من حسن الأدب واللياقة أن ينشغل الإنسان بأي شيء غير لقاء الله فِي الوقت المخصص للقاء الله ، وفي المكان المخصص لهذا اللقاء.
فساعة تدخل المسجد ينبغي أن تمنع نفسك من أن يتكلم معك أحد فِي فضول الكلام ولغوه ، وأن تنوي الاعتكاف لتستفيد من وجودك فِي المسجد. وساعة أن نخصص حيزا ما ليكون مسجدا ، فكيف يكون الاتجاه داخل المسجد ؟ أيترك الأمر لكل واحد أن يختار له متجها ؟
لا ، إن المؤمن ملتزم بالاتجاه إلى مكان واحد ، هذا المكان الواحد هو بيت لله باختيار الله بينما المساجد الأخرى هي بيوت لله باختيار خلق الله ، فبيوت الله باختيار خلق الله متجهها جميعا هو بيت الله الحرام.