وقوله تعالى: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} هذا جواب لسؤالهم. فإن (قيل) : هذا الجواب لا يُطَابِقُ السُّؤَال، وما الجواب المطابق لهذا السؤال؟
قيل: الجواب المطابق أن يقال: قل النفقة التي هي خير، وإنما عدل عن المطابق لحاجة السائل إلى بيان بجمع الدلالة على ما سأل وعلى غيره. ويحسن من المعلم الحكيم الذي يعلم الناس ويبصرهم أن يضمن الجواب مع الدلالة على المسؤول عنه، الدلالة على ما يحتاج إليه السائل في ذلك المعنى مما أغفله وترك السؤال عنه، فأما الجدل الذي يضايق فيه الخصم فالأصل فيه أن يكون الجواب على قدر السؤال من غير زيادة ولا نقصان ولا عدول عما يوجبه نفس السؤال.
وقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} جزم {وَمَا تَفْعَلُوا} بالشرط، واسم الشرط وموضع {وَمَا} نصبٌ بـ {تَفْعَلُوا} ، وجواب الشرط قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} ومعناه: (أنه يحصيه) ويجازي عليه.
قال ابن الأنباري: إن عمرو بن الجموح سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصدقة لمن يخص بها عند الموت، فأنزل الله عز وجل هذه الآية قبل آية المواريث، فلما نزلت آية المواريث نسخت من هذه التصدق على الوالدين.
ويقال: إن الإنفاق في هذه الآية لا يراد به الصدقة عند الموت، إنما يراد به النفع في الدنيا، والإيثار بما يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى، فأخبر الله أن مريد ذلك ينبغي أن يتوخى به الوالدين والأقربين والمذكورين في الآية، وإذا خرج الإنفاق على معنى التصدق كانت الآية محكمة، وهذا معنى قول مقاتل بن حيان.
وقال كثير من أهل التفسير: إن هذا كان قبل فرض الزكاة، فلما فُرِضَتِ الزكاة بالآية التي في براءة، نسخت الزكاةُ هذه الآية.