قوله: (يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه) أي غفور بمعنى الْمُضَارِع مرادًا به الاسْتمْرَار.
وينعم عليه. أي رحيم معناه هنا المنعم عليه أي عَلَى المستعفر وقيده بالمستغفر لاقتضاء
المقام، وإلا فهو تَعَالَى غقور لما دون الشرك، ومتفضل عَلَى عباده مستغفرًا [أو لا] .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذكْركُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ
ذكْرًا فَمنَ النَّاس مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتنا في الدُّنْيا وَما لَهُ في الْآخرَة منْ خَلاقٍ (200)
قوله: (فإذا قضينم العبادات الحجية وفرغتم فيها) يريد أن الْمُرَاد بالمناسك التي هي
جمع المنسك بمعنى المصدر العبادات المتعلقة بالحج لأنها شائعة فيها وإن كان أصله
بمعنى غاية الْعبَادَة مُطْلَقًا. القضاء هنا لمعنى الأداء. الفاء لترتب ما بعده عَلَى ما قبله.
والعبادات الحجية وإن لم تذكر هنا بتمامها لكن لما ذكر معظم أفعال الحج وهو الوقوف
بعرفة كان تمامها مذكورة فحسن أن يقال فإذا قضيتم مناسككم وجهه قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ
"الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج".
قوله: (فأكثروا ذكره وبالغوا فيه كما تفعلون بذكر آبائكم في المفاخرة) يعني المراد
بالأمر بالذكر الأمر بإكثاره لقوله (كَذكْركُمْ آباءَكُمْ) أو لأن أصل الذكر
متحقق فيهم لأن الأمر إما حصول عَلَى الدوام أو الإكثار في الليالي والأيام. قوله وبالغوا فيه
تأكيد للإكثار أو الْمُرَاد المُبَالَغَة في الكَيْف.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: العبادات الحجية. إشَارَة إلَى أن لفظ النسك أكثر استعماله في عبادة مَخْصُوصة
بالحج حتى كاد أن يخص بها بالعلبة وإن كان في الأصل لمطلق العبادة. قال الْجَوْهَريُّ: والنسك
بالضم العبادة، وأما والنَّاسك العابد والنسيكة الذبيحة والجمع نسك ونسائك والمنسَك
والمنسك المَوْضع الذي تذبح فيه النساءك، وقرئ بهما قَوْلُه تَعَالَى(لكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا
هُمْ نَاسكُوهُ)وقوله وفرغتم منها. معنى الفراع لازم معنى قضاء المناسك لأن
القضاء بمعنى الأداء وإذا أديت الْعبَادَة بتمامها يلزمه الفراع منها ولما كانا متلازمين كان عطف
قوله وفرغتم عَلَى قضيتم كعطف التفسير له. قال الإمام:[اعْلَمْ أَنَّ الْقَضَاءَ إذَا عُلّقَ بفعْل النَّفْس.
فَالْمُرَادُ به الْإتْمَامُ وَالْفَرَاغُ، وَإذَا عُلّقَ عَلَى فعْل الْغَيْر فَالْمُرَادُ به الْإلْزَامُ، نَظيرُ الْأَوَّل قَوْلُهُ تَعَالَى:(فَقَضاهُنَّ سَبْعَ
سَماواتٍ في يَوْمَيْن) (فَإذا قُضيَت الصَّلاةُ) وَقَالَ عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا»
وَيُقَالُ في الْحَاكم عنْدَ فَصْل الْخُصُومَة قَضَى بَيْنَهُمَا، وَنَظيرُ الثَّاني قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَضى رَبُّكَ) وَإذَا اسْتُعْملَ في الْإعْلَام، فَالْمُرَادُ أَيْضًا ذَلكَ كَقَوْله: (وَقَضَيْنا إلى بَني إسْرائيلَ في الْكتاب) يَعْني أَعْلَمْنَاهُمْ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسكَكُمْ) لَا يَحْتَملُ إلَّا الْفَرَاغَ منْ جَميعه] ، فعلى هذا يكون عطف قوله وفرغتم
منها عَلَى [فإذا] قضيتم عطف التفسير قطعًا من غير التزام لمعنى الملازمة.
قوله: فأكثروا ذكره معنى الإكثار مُسْتَفَاد من التشبيه الذي أفاده الكاف في (كَذكْركُمْ آبَاءَكُمْ)
فإنه يدل عَلَى أن الذكر المأمور به يجب أن يكون عَلَى الوجه الذي يذكرون آباءهم.
وأشار إليه بقوله وبالغوا فيه كما تفعلون بذكر آبائكم.