وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الرَّفْعَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ أَكْثَرَ الْقُرْآنِ جَاءَ بِرَفْعِ نَظَائِرهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ} وَكَقَوْلِهِ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ بِإِحْصَائِهِ الْكِتَابُ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ.
وَلَوْ قِيلَ: مَوْضِعُ «مَا» نَصْبٌ بِمَعْنَى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَأَهْدُوا مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، لَكَانَ غَيْرَ مُخْطِئٍ قَائِلُهُ.
وَأَمَّا الْهَدْيُ فَإِنَّهُ جَمْعٌ وَاحِدُهَا هَدِيَّةٌ، عَلَى تَقْدِيرِ جَدِيَّةِ السَّرْجِ، وَالْجَمْعُ الْجَدْيُ مُخَفَّفٌ حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: كَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ يَقُولُ: «لَا أَعْلَمُ فِي الْكَلَامِ حَرْفًا يُشْبِهُهُ» وَبِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَسْكِينِ الدَّالِ مِنَ «الْهَدْيِ» قَرَأَهُ الْقُرَّاءُ فِي كُلِّ مِصْرٍ، إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنِ الْأَعْرَجِ فإنَّهُ قَرَأَ: «هَدِيًّا بَالِغَ الْكَعْبَةِ» بِكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلًا، وَقَرَأَ: «حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدِيُّ مَحِلَّهُ» بِكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلَةً""
وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَاصِمٍ، فَرُوِيَ عَنْهُ مُوَافَقَةُ الْأَعْرَجِ وَمُخَالَفَتُهُ إِلَى قِرَاءَةِ سَائِرِ الْقُرَّاءِ.
وَالْهَدْي عِنْدِي إِنَّمَا سُمِّيَ هَدْيًا لِأَنَّهُ تَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ مُهْدِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْهَدِيَّةِ يُهْدِيهَا الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِهِ مُتَقَرِّبًا بِهَا إِلَيْهِ، يُقَالُ مِنْهُ: أَهْدَيْتُ الْهَدْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَأَنَا أُهْدِيهِ إِهْدَاءً، كَمَا يُقَالُ فِي الْهَدِيَّةِ يُهْدِيهَا الرَّجُلَ إِلَى غَيْرِهِ: أَهْدَيْتُ إِلَى فُلَانٍ هَدِيَّةً، وَأَنَا أُهْدِيهَا. وَيُقَالُ لِلْبَدَنَةِ هَدِيَّةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى يَذْكُرُ رَجُلًا أُسِرَ يُشْبِهُهُ فِي حُرْمَتُهُ بِالْبَدَنَةِ الَّتِي تُهْدَى:
[البحر الوافر]
فَلَمْ أَرَ مَعْشَرًا أَسَرُوا هَدِيًّا ... وَلَمْ أَرَ جَارَ بَيْتٍ يُسْتَبَاءُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}