فمنها الحديث اليومى العادى، الذي يخلو من الخصائص الفنية ومنها المتوسط الدرجة، الذي لا يمدح ولا يذم.
ومنها البيان العالى المؤثر في النفوس، الممتع للعواطف المثرى للفكر.
ومنها البيان الأعلى، المعصوم من النقد، الذي يحس الناس برونقه وإحكامه وجماله وكماله وجلاله، وهو القرآن المعجز العظيم.
ومن أساليب هذا البيان الأعلى الذي لا يضارعه بيان، أسلوب التوكيد كما في قوله تعالى (تلك عشرة كاملة) .
ونبدأ بأقوال الأئمة في بيان قيمة"تلك عشرة كاملة"في تقوية الأسلوب وتوفير العناية بالمعنى، نبدأ بما قاله الإمام الزمخشري:
"فإن قلت: ما فائدة الفذلكة"؟ قلت: الواو قد تجيء للإباحة في نحو قولك: جالسى الحسن، وابن سيرين، ألا ترى أنه لو جالسهما جميعاً، أو واحداً منهما كان ممتثلاً، فَفُذْلِكَتْ (2) نفياً لتوهم الإباحة.
وأيضاً ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يُعْلَم العدد جملة كما عُلِم تفصيلاً ليحاط به من جهتين فيتأكد العلم به.
وفى أمثال العرب:
"علمان خير من علم".
وكذلك"كاملة"تأكيد آخر، وفيه زيادة توصية بصيامها، وألا يتهاون بها، ولا ينقص من عددها.
وقيل"كاملة في وقوعها بدلاً من الهدى".
يعني أن في هذه العبارة توكيدين:
الأول في: تلك عشرة"."
والثاني في"كاملة".
وقد بين الإمام - رحمه الله - المعاني التي أفادها هذا التركيب ولنا إضافة على ما قاله سنوضحها في الخلاصة التي تعودنا على جعلها خاتمة كل مبحث.
ويتابع الإمام البيضاوي ما قاله الإمام الزمخشري ويضيف إليه جديداً فيقول:"تلك عشرة"فذلكة الحساب، وفائدتها ألا يتوهم متوهم أن"الواو"
-أي في"وسبعة إذا رجعتم"- كقولك جالسى الحسن وابن سيرين، وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً .. و"كاملة"صفة مؤكدة تفيد المبالغة في المحافظة على العدد، أو مبينة كمال العشرة، فإنه أول عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد وتتم مراتبها"."
وحذا الإمام الشوكاني حذوهما، ثم قال: إنه مثل"كتبتُ بيدى"والكتابة لا تكون إلا باليد.
ويسوق غيرهم شواهد من الشعر العربي على تأصيل هذا الأسلوب في لغة العرب، مثل:
فسرتُ إليهمُ عشرين شهراً
وأربعة فذلك حِجّتان
أي: سنتان. وقول الآخر:
ثلاث بالغداة فهُنَّ حسبى
وست حين يدركنى العشاء
فذلك تسعة في اليوم ربي
وشُرب المرء بعد الِرى داء