يبقى أن القول بهذا يخشى أن يحمل المترخصين على شدة الترخص، وأن تهمل العبادات المفروضة لأدنى سبب. مما جعل الفقهاء يتشددون ويشترطون. ولكن هذا - فِي اعتقادي - لا يبرر التقييد فيما أطلقه النص. فالدين لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات، إنما يقودهم بالتقوى. وغاية هذه العبادة خاصة هي التقوى. والذي يفلت من أداء الفريضة تحت ستار الرخصة لا خير فيه منذ البدء، لأن الغاية الأولى من أداء الفريضة لا تتحقق. وهذا الدين دين الله لا دين الناس. والله أعلم بتكامل هذا الدين، بين مواضع الترخص ومواضع التشدد؛ وقد يكون وراء الرخصة فِي موضع من المصلحة ما لا يتحقق بدونها. بل لا بد أن يكون الأمر كذلك. ومن ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ المسلمون برخص الله التي رخصها لهم. وإذا حدث أن فسد الناس فِي جيل من الأجيال فإن إصلاحهم لا يتأتى من طريق التشدد فِي الأحكام؛ ولكن يتأتى من طريق إصلاح تربيتهم وقلوبهم واستحياء شعور التقوى فِي أرواحهم. وإذا صح التشدد فِي أحكام المعاملات عند فساد الناس كعلاج رادع، وسد للذرائع، فإن الأمر فِي الشعائر التعبدية يختلف، إذ هي حساب بين العبد والرب، لا تتعلق به مصالح العباد تعلقاً مباشراً كأحكام المعاملات التي يراعى فيها الظاهر. والظاهر فِي العبادات لا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب. وإذا وجدت التقوى لم يتفلت متفلت، ولم يستخدم الرخصة إلا حيث يرتضيها قلبه، ويراها هي الأولى، ويحس أن طاعة الله فِي أن يأخذ بها فِي الحالة التي يواجهها، أما تشديد الأحكام جملة فِي العبادات أو الميل إلى التضييق من إطلاق الرخص التي أطلقتها النصوص، فقد ينشئ حرجاً لبعض المتحرجين. فِي الوقت الذي لا يجدي كثيراً فِي تقويم المتفلتين .. والأولى على كل حال أن نأخذ الأمور بالصورة التي أرادها الله فِي هذا الدين.