وهي أن فيه الاقتداء بالملأ الأعلى على قدر الوسع والتنزه عن مشاكلة البهائم التي غاية شبع البطن والفرج ، ووجه ذلك أن الإنسان مركب من بدن يسوسه سوسن الحيوان وغذاؤه المطاعم ، ومن روح ذي عقل غذاؤه العلم والفضائل ، ومتى أكثر غداء أحدهما قوي على ما نقص غذاؤه ، ولهذا قال عليه السلام:"رأس الدين الورع ، وأفضل الورع قلة الطعام ، ومن شبع ونام جثم على قلبه الشيطان"وقيل:"الجوع سحاب تمطر الحكمة"،
فإن قيل: فهلا أديمَ فرضُ الصوم إذا كان سبباً
لهذه الفضيلة العظيمة (قيل: إن الله - عز وجل - ما خلق فِي الأرض وشهاه إلينا ليحرمناه ، ولكن لينتفع به بقدر ما يحسن ، وفي وقت ما يحسن ، وألزمنا فِي بعض الأوقات التحرج عنه ليكون مدعاة إلى التعفف عن تناول مالا يجوز تناوله ، وجعل الله تعالى فرضه على الأهلة ليتأدب الإنسان به فِي كل وقت من أوقات السنة صيفا وشتاء وربيعين...
إن قيل: على ماذا وقع التشبيه فِي قوله: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قيل: قال بعضهم: إن ذلك على الصوم وكيفيته ، لأن صوم من قبلنا لم يكن يحل لهم ألاكل بعد الرقاد ، وكان على هذا فِي بدء الإسلام إلى أن نسخ بقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ، وإلى هذا ذهب معاذ ، وهو المروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - وقيل: كصوم من فبلنا فِي كونه أياما معدودات ، وذلك فِي كل شهر ثلاثة أيام ، ثم نسخ بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} ، وهو قول عطاء وقتادة ، وردي عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن للصيام ثلاثة أحوال ، وذلك أن النبي - عليه السلام - لما قدم المدينة ، فكان يصوم فِي كل شهر ثلاثة أيام ، ويصوم عاشوراء ، ثم فرض بعد تسعة عشر شهراَ شهر رمضان على التخيير ، ثم فرضه على تضييق لمن كان مقيما صحيحاً ، وقيل: