ثم الضرورة تقع بالخروج في العكوف بوجهين: مرة في نفسه، ومرة فهي أفعال يكتسبها.
وبهذا يقول أصحابنا، رحمهم اللَّه تعالى، في فرضية الخروج إلى الجمع؛ لأن من اعتكف على ألا يشهد الجمعة لا يؤذن له في ذلك، لما لا جائز أن يؤذن بإيجاب قربة هي ليست عليه بتضييع أخرى هي عليه؛ إذ ذلك فرض كفاية يسقط بأداء البعض، لذلك كان ما ذكرنا.
فَإِنْ قِيلَ: روي أنه كان يخرج لاتباع الجنازة وعيادة المريض.
قيل: إن ثبت هذا فهو إذ خرج لوجه أذن له بالخروج لذلك الوجه فخرج ثم عاد مريضًا، أو شهد جنازة، وذلك جائز، ولو كان يؤذن لذلك لكان يؤذن لكل قربة؛ إذ الجنازة إذا شيعها الكافي سقط فرض الثشييع، فإذا لم يؤذن في غير هذا، وهذا مثل ذلك، أو دونه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك دليل أن الخبر على ما بينت، واللَّه أعلم.
ورُويَ عن عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنها قالت:"إن من السنة ألا يخرج المعتكف من معتكفه"، دل هذا من عائشة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أن خبر علي بن أبي طالب، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، على ما ذكرنا، إن ثبت.
وفي قوله: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) دليل أن الاعتكاف يكون في جميع المساجد؛ لأنه عم المساجد.
وما روي: أن"لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام"إن ثبت، فهو على التناسخ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اعتكف في مسجد المدينة، فدل فعله أنه منسوخ. واللَّه أعلم.
وقوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) .
قيل: (تِلْكَ) المباشرة معصية، (فَلَا تَقْرَبُوهَا) في الاعتكاف، فحد الأمر ألا تقربوها.
وقيل: إنه جمعل لكل طاعة وأمر ونهي حدًّا وغاية، فلا يجاوز ولا يقصر عنه.
وقيل: (تلك) فرائض اللَّه.
وقيل: (تِلْكَ) سنن اللَّه. وكان الأول أقرب واللَّه أعلم.