وأما عندنا: فإنه يجوز متتابعًا ومتفرقًا؛ اتباعًا لما رُويَ عن خمسة من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، أنهم قالوا:"إن شاء تابع، وإن شاء فرق"سوى أن عليًّا، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، قال: يتابع، لكنه إن فرق جاز، ثم عن عليٍّ، وعبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، وآخر لست أذكره، أنهم قالوا: بجواز ذلك، ولا يحتمل أن التتابع شرطًا فيه خفي ذلك على هَؤُلَاءِ، أو تركوه إن عرفوه؛ فدل أنه لا يصح ذكر التتابع شرطًا فيه، وليس كذكر التتابع في صوم كفارة اليمين في حرف ابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه؛ لأنه لم يخالفه أحد من الصحابة، رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين، في ذلك، فصار كالمتلو. وهاهنا قد خالفوا أبيًّا في حرفه؛ فلم يصر كالمتلو؛ لذلك افترقا. واللَّه أعلم.
وقراءة أُبي إن ثبتت عنه، فهو على الأرب؛ لما ذكر من إجماع الصحابة، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، وبما أنه وجب بوقت، وكل ذي وقت فليس التتابع بشرط فيه في غير ذلك الوقت.
ولو كان التتابع شرطًا، لكان حق الإفطار يلزم الكل؛ حتى يكون القضاء موصولا أو الابتداء.
فأما إذا جاز التفريق بين بعض له حكم الابتداء وبعض له حكم القضاء، لجاز في غيره من الأبعاض؛ إذ كل ذلك له في الابتداء جاز الفعل والترك. فصار حق كل يوم في القضاء لنفسه لا لغيره؛ إذ كذلك حقه في الترك القضاء، وفي الفعل في الابتداء. ولا قوة إلا باللَّه.
وما ذكر من المسائل فهي مبنية على هذا الذي ذكرت: أن التتابع للفعل لا يحتمل اعتراض رخصة التفريق على إمكان الجمع؛ ثبت أن الجمع شرط فيه. وما نحن فيه يحتمل صوم كل يوم على الانفراد أن يؤخر فعله في الشهر بالرخصة عن غيره كذلك القضاء. واللَّه أعلم.