وَكَذَلِكَ مَنْ أَكَلَ عَلَى ظَنٍّ مِنْهُ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ ، فَهُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ بِمُقْتَضَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ} .
فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يُكَلَّفْ تَبَيُّنَ الْفَجْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا كُلِّفَ مَا عِنْدَهُ ، قِيلَ لَهُ: إذَا أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ طُلُوعِ الْفَجْرِ الَّذِي هُوَ عِنْدَ اللَّهِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاتُهُ ، فَمَتَى لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَائِلٌ اسْتَحَالَ أَنْ لَا يَعْلَمَهُ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ غَفَلَ أُبِيحَ لَهُ الْأَكْلُ فِي
حَالِ غَفْلَتِهِ ، فَإِنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ غَيْرُ مُسْقِطَةٍ لِلْقَضَاءِ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَهُمَا أَصْلٌ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا مَعْذُورَانِ ؛ وَاَلَّذِي اشْتَبَهَ عَلَيْهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ أَوْ ظَنَّهُ قَدْ طَلَعَ مَعْذُورٌ فِي الْأَكْلِ ، وَالْعُذْرُ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ بِدَلَالَةِ مَا وَصَفْنَا.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَوْ غُمَّ عَلَيْهِمْ الْهِلَالُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَأَفْطَرُوا ثُمَّ عَلِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ كَانَ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ ، فَكَذَلِكَ مَنْ وَصَفْنَا أَمْرَهُ ، وَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِشَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى مَضَى ثُمَّ عَلِمَ بِهِ كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَلَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فِي حَالِ الْإِفْطَارِ إلَّا عِلْمَهُ ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَهْلُهُ بِالْوَقْتِ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ ؛ فَكَذَلِكَ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَغُرُوبُ الشَّمْسِ.