(فائدة في إضافة ظروف الزمان للأحداث)
إنما أضيف ظروف الزمان إلى الأحداث الواقعة فيها نحو يوم يقوم زيد لأنها أوقات لها وواقعة فيها فهي لاختصاصها بها أضيف إليها وهذا بخلاف ظروف المكان لأنها لا تختص بتلك الأحداث فإن اختصت غالبا حسنت الإضافة نحو هذا مكان يجلس القاضي ويكون بمنزلة يوم يجلس القاضي سواء وربما أضيفت أسماء الزمان إلى أحداث لا تقع فيها لاتصالها بها كقوله تعالى: {لَيْلَةَ الصِّيَامِ} فالليلة من ظروف الزمان وقد أضيف إلى الصيام وليس بواقع فيها فلما جاز في بعض الكلام أن يضاف الظرف إلى الاسم الذي هو الحدث وإن لم يكن واقعا فيه أضافوه إلى الفعل لفظا وهو مضاف إلى الحدث معنى وأقحم لفظ الفعل إقرارا للمعنى وتخصيصا للغرض ورفعا لشوائب الاحتمال حتى إذا سمع المخاطب قولك يوم قام زيد علم أنك تريد اليوم الذي قام فيه زيد ولو قلت مكان قولك {ليلة الصيام} ليلة صيام زيد ما كان له معنى إلا وقوع الصيام في الليل فهو الذي حملهم على إقحام لفظ الفعل عند إرادتهم إضافة الظروف إلى الأحداث وقس على ذلك المبتدأ والخبر.
(فصل: الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ حِفْظُ الْحُدُودِ عِنْدَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ)
إِبْقَاءً عَلَى الصِّيَانَةِ وَالتَّقْوَى. وَصُعُودًا عَنِ الدَّنَاءَةِ. وَتَخَلُّصًا عَنِ اقْتِحَامِ الْحُدُودِ.
يَقُولُ: إِنَّ مَنْ صَعَدَ عَنِ الدَّرَجَةِ الْأُولَى إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الْوَرَعِ يَتْرُكُ كَثِيرًا مِمَّا لَا بَأْسَ بِهِ مِنَ الْمُبَاحِ، إِبْقَاءً عَلَى صِيَانَتِهِ، وَخَوْفًا عَلَيْهَا أَنْ يَتَكَدَّرَ صَفْوُهَا. وَيُطْفَأَ نُورُهَا. فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُبَاحِ يُكَدِّرُ صَفْوَ الصِّيَانَةِ، وَيُذْهِبُ بَهْجَتَهَا، وَيُطْفِئُ نُورَهَا، وَيُخْلِقُ حُسْنَهَا وَبَهْجَتَهَا.
وَقَالَ لِي يَوْمًا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُبَاحِ: هَذَا يُنَافِي الْمَرَاتِبَ الْعَالِيَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ شَرْطًا فِي النَّجَاةِ. أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ.