رأيت تصاريف الزمان بأهله ... وبينهم فيه تكون النوائب
ثم قال: يا بنيّ، كن جوادا بالمال في مواضع الحقّ، بخيلا بالأسرار عن جميع الخلق فإنّ أحمد جود الحرّ الإنفاق في وجوه البرّ وإنّ أحمد بخل الحرّ، الضنّ بمكتوم السر، وكن يا بني كما قال قيس بن الخطيم الأنصاري:
أجود بمضنون التّلاد وإنّني ... بسرّك عمّن سالني لضنين
إذا جاوز الاثنين سرّ، فإنّه ... بنثّ وتكثير الحديث قمين
وإن ضيّع الإخوان سرا فإنّني ... كتوم لأسرار العشير أمين
وعندي له يوما إذا ما ائتمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
ثم قال: يا بنيّ، وإن غلبت يوما عن المال فلا تدع الحيلة بكل مكان
فإن الكريم محتال، واللئيم مغتال. وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالا:
أقلّ ما تكون في الباطن مالا.
واعلم أنّ الكريم من كرمت عند الحاجة
طبيعته وظهرت عند الإنفاد نعمته وكن كما قال الشاعر [ابن خذّاق العبدى] :
[وجدت أبي قد أورثه أبوه ... خلالا قد تعدّ من المعالي]
فأكرم ما تكون عليّ نفسي ... إذا ما قلّ في الأزمات مالي
[فتحسن سيرتي، وأصون عرضي ... ويجمل عند أهل الرأي حالي]
فإن نلت الغنى لم أغل فيه ... ولم أخصص بجفوتي الموالي
ثم قال: يا بنيّ، وإن سمعت كلمة من حاسد، فكن كأنك لست بالشاهد، فإنّك إن أمضيتها حيالها، وقع العيب على من قالها. وقد كان يقال: إن الأريب العاقل هو الفطن المتغافل. وكن كما قال حاتم الطائى:
وما من شيمتي شتم ابن عمّي ... وما أنا مخلف من يرتجيني
وكلمة حاسد من غير جرم ... سمعت، فقلت: مرّي فانفذيني
فعابوها علي ولم تعبني ... ولم يعرق لها يوما جبيني
وذو اللونين يلقاني طليقا ... وليس إذا تغيّب يأتليني
بصرت بعيبه فكففت عنه ... محافظة على حسبي وديني
ثم قال: يا بنيّ، لا تواخ أخا حتى تعاشره وتعرف أمره، وتتفقّد موارده ومصادره فإذا استطبت العشرة، ورضيت الخبرة، فآخه على إقالة العثرة، والمواساة في العشرة. وكن يا بنيّ كما قال [المقنّع] الكنديّ:
ابل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسّمنّ فعالهم وتفقّد
فإذا ظفرت بذي الأمانة والتّقى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد
وإذا رأيت ولا محالة زلّة ... فعلى أخيك بفضل حلمك فاردد
ثم قال: يا بنيّ، وإذا أحببت حبيبا فلا تفرط، وإذا أبغضت بغيضا فلا تشطط، فإنه قد قال أمير المؤمنين رضوان الله عليه: