«أحبب حبيبك هو نامّا، عسى أن يكون بغيضك يوما مّا. وأبغض بغيضك هونا مّا، عسى أن يكون حبيبك يوما مّا» . وكن كما قال الشاعر هدبة بن الخشرم العذريّ:
وكن معقلا للخير، واصفح عن الخنى ... فإنك راء ما حييت وسامع
وأحبب إذا أحببت حبّا مقاربا ... فإنك لا تدري متى أنت نازع
وأبغض إذا أبغضت بغضا مقاربا ... فإنك لا تدري متى الودّ راجع
وعليك يا بنيّ بصحبة الأخيار وصدق الحديث، وإياك وصحبة الأشرار فإنه عار.
وكن كما قال الدارمي:
صاحب الأخيار وارغب فيهم ... ربّ من صاحبته مثل الجرب
ودع الناس فلا تشتمهم، ... وإذا شاتمت، فاشتم ذا حسب
إن من شاتم وغدا كالذي ... يشتري الصفر بأعيان الذهب
وأصدق الناس إذا حدّثتهم ... ومدع الكذب فمن شاء كذب
ربّ مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
ثم قال: يا بنيّ، وإذا آخيت فآخ من يعدّ لنوائب الزّمان. وعليك بذوي الألباب الذين ثقّفتهم الآداب، ووثّقتهم الأحساب، فإنهم أطيب مختبر، وأكرم محتضر، وأعذب معتصر. واحذر إخاء كلّ جهول، وصحبة كل عجول فإنه لا يغفر الزّلة، وإن عرف العلّة، سريع غضبه، عال لهبه، إن سأل ألحف، وإن وعد أخلف، يرى ما يعطيك غرما، وما يأخذ منك غنما فهو يرضيك، ما طمع فيك فإذا يئس من خيرك، مال إلى غيرك.
وفي مثله يقول الشاعر:
لا تواخ الدهر جبسا راضعا ... ملهب الشرّ، قليل المنفعة
ما ينل منك فأحلى مغنم ... ويرى ظرفا به أن يمنعه
يسأل الناس ولا يعطيهم ... ثكلته أمّه، وما أطمعه!
ثم قال: يا بنيّ، من عتب على الزّمان، وتتبّع عثرات الإخوان، قطعه صديقه، وملّه رفيقه، واحتماه الأهلون، وظفر به الشامتون، ومن سار في البلاد ثمّر المراد. وطالب الكفاف بالقناعة والعفاف: يعيش حميدا، ويموت فقيدا.
وقد قال النابغة:
إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... شكا الفقر، أو لام الصديق فأكثرا
وصار على الأدنين كلّا، وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكّرا
فسر في بلاد الله والتمس الغنى، ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
وما طالب الحاجات في كل وجهة ... من النّاس، إلّا من أجدّ وشمّرا
ولا ترض من عيش بدون، ولا تنم ... وكيف ينام الليل من بات معسرا؟