ثم قال: وليكن إخوانك وأهل بطانتك أولى الدّين والعفاف، والمروءات والأخلاق الجميلة فإنّى رأيت إخوان المرء يده التي يبطش بها، ولسانه الذي يصول به، وجناحه الذي ينهض به. فاصحب هؤلاء تجدهم إخوانا، وعلى الخير أعوانا. واجتنب الصّغار الأخطار، اللّئام الأقدار، الّذين لا يحامون على حسب، ولا يرجعون إلى نسب، ولا يصبرون على نائبة، ولا ينظرون في عاقبة فإنهم إن راوك في رخاء سألوك، وان رأوك في شدّة أسلموك ولعلّهم أن يكونوا عليك مع بعض الأعداء.
واعلم بأنّ الرّجل بلا خدين، كذي الشّمال بلا يمين. واخلط نفسك مع الأبرار، وطهّرها من الفجّار، فالمرء يعرف بقرينه. وقد قال الشاعر:
وقارن إذا قارنت حرّا، فإنما ... يزين ويزرى بالفتى قرناؤه
ولن يهلك الإنسان إلّا إذا أتى ... من الأمر ما لم يرضه نصحاؤه
إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه
ثم قال: يا بنيّ، قد جمعت لك مصالح نفسك، فاستفتح الله بمسامع عقلك وتفهّم ما وصفت لك بالتجارب، تحز صلاح العواقب.
واعلم أنّ من حاسب نفسه تورّع، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن اعتبر أبصر، ومن فهم علم وفي التّواني تكون الهلكة، وفي التّأنّى السلامة. وزارع البرّ يحصد السرور. والقليل مع القناعة في القصد، خير من الكثير مع السّرف في المذلة. والتقوى نجاة، والطاعة ملك وحليف الصّدق موفّق، وصاحب الكذب مخذول وصديق الجاهل تعب، ونديم العاقل مغتبط. فإذا جهلت فسل، وإذا ندمت فأقلع، وإذا غضبت فأمسك. ومن لاقاك بالبشر فقد أدّى إليك الصنيعة، ومن أقرضك الثناء فاقضه الفضل.
وضع يا بنيّ الصنائع عند الكرام ذوي الأحساب، ولا تضعنّ معروفك عند اللئام فتضيعه، فإن الكريم يشكرك ويرصدك بالمكافأة، وإن اللئيم يحسب ذلك حتما، ويؤول أمرك معه إلى المذلّة. وقد قال الشاعر:
إذا أوليت معروفا لئيما ... فعدّك قد قتلت له قتيلا
فعد من ذاك معتدرا إليه ... وقل: «إنى أتيتك مستقيلا
فإن تغفر فمجترم عظيم ... وإن عاقبت لم تظلم فتيلا»
وإن أوليت ذلك ذا وفآء ... فقد أودعته شكرا طويلا
لما حضرت المهلب بن أبي صفرة رحمه الله الوفاة، قال لولده وأهله: أوصيكم بتقوى الله، وصلة الرّحم: فإنّ تقوى الله تعقب الجنّة وإن صلة الرّحم تنسئ الأجل، وتثري المال، وتجمع الشّمل، وتكثّر العدد وتعمّر الديار، وتعزّ الجانب.