وَقَدِ اضْطَرَبَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ الْمُخَاطَبِ بِهَذَا الْقِصَاصِ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلَ وَلَا الْمَقْتُولَ وَلَا وَلِيَّ الدَّمِ وَلَا عَصَبَةَ الْقَاتِلِ وَلَا سَائِرَ النَّاسِ الْأَجَانِبِ ، وَلَا يَظْهَرُ أَيْضًا أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ)
الْحُكَّامُ خَاصَّةً . قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بَعْدَ مَا أَوْرَدَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ بَعْضِهِمْ: وَهَذِهِ مُشَاغَبَةٌ وَتَشْكِيكٌ كَمُشَاغَبَاتِ الرَّازِيِّ وَشُكُوكِهِ وَالْخِطَابُ مَفْهُومٌ بِالْبَدَاهَةِ ، وَالْآيَةُ جَارِيَةٌ عَلَى أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ فِي مُخَاطَبَةِ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الشُّئُونِ الْعَامَّةِ وَالْمَصَالِحِ ; لِاعْتِبَارِ الْأُمَّةِ مُتَكَافِلَةً وَمُطَالَبَةً بِتَنْفِيذِ الشَّرِيعَةِ وَحِفْظِهَا ، وَبِالْخُضُوعِ لِأَحْكَامِهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مُخَاطَبَةِ الْيَهُودِ بِإِسْنَادِ مَا كَانَ مِنْ آبَائِهِمْ إِلَيْهِمْ ، إِذْ قُلْنَا إِنَّ الْأُمَّةَ فِي هَدْيِ الْقُرْآنِ كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ يُخَاطَبُ الْبَعْضُ مِنْهَا بِالْكُلِّ وَالْكُلُّ بِالْبَعْضِ ، كَمَا يُقَالُ لِلشَّخْصِ جَنَيْتَ وَجَنَتْ يَدُكَ ، وَأَخْطَأْتَ وَأَخْطَأَ سَمْعُكَ أَوْ رَأْيُكَ ، فَفِي هَذَا الْخِطَابِ بِالْقِصَاصِ يَدْخُلُ الْقَاتِلُ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْخُضُوعِ لِحُكْمِ اللهِ ، وَيَدْخُلُ الْحَاكِمُ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّنْفِيذِ ، وَيَدْخُلُ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِمُسَاعَدَةِ الشَّرْعِ وَتَأْيِيدِهِ . وَمُرَاقَبَةِ مَنْ يَخْتَارُونَهُ لِلْحُكْمِ بِهِ وَتَنْفِيذِهِ . ا هـ .