تَتَحَرَّكُ النُّفُوسُ لِلْجِنَايَةِ لِتَكُونَ رَادِعَةً عَنِ الِاسْتِمْرَارِ فِيهَا ، وَقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ الْإِلَهِيَّةُ فِي الْفِطْرَةِ بِأَنَّ قُلُوبَ الْأُصُولِ مَجْبُولَةٌ مِنْ طِينَةِ الشَّفَقَةِ وَالْحُنُوِّ عَلَى الْفُرُوعِ ; حَتَّى لَيَبْذُلُونَ أَمْوَالَهُمْ وَأَرْوَاحَهُمْ فِي سَبِيلِهِمْ ، وَكَثِيرًا مَا يَقْسُو الْوَلَدُ عَلَى وَالِدِهِ ، وَقَلَّمَا يَقْسُو وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ إِلَّا لِسَبَبٍ قَوِيٍّ كَعُقُوقٍ شَدِيدٍ أَوْ فَسَادٍ فِي أَخْلَاقِ الْوَلَدِ جَنَى عَلَى أَصْلِ الْفِطْرَةِ كَالْإِفْرَاطِ فِي حُبِّ الذَّاتِ ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْقَسْوَةَ لَا تُفْضِي إِلَى الْقَتْلِ إِلَّا لِأَمْرٍ يَكَادُ يَكُونُ فَوْقَ الطَّبِيعَةِ ، كَعَارِضِ جُنُونٍ مِنَ الْوَالِدِ ، أَوْ إِيذَاءٍ لَا يُطَاقُ مِنَ الْوَلَدِ - وَلَمَّا كَانَ هَذَا شَاذًّا نَادِرًا جُعِلَ كَالْعَدَمِ فَلَمْ يُلَاحَظْ فِي وَضْعِ الْحَدِّ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تُنَاطُ بِالْمَظِنَّةِ لَا بِالشَّوَاذِّ الَّتِي يَنْدُرُ أَنْ تَقَعَ ، وَمَعَ هَذَا يُعَزَّرُ مَنْ يَقْتُلُ وَلَدَهُ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ لَائِقًا بِحَالِهِ وَمُرَبِّيًا لِأَمْثَالِهِ .
(وَأَقُولُ) : إِنَّ أَعْظَمَ أَسْبَابِ هَذَا الشُّذُوذِ فِي الْوَالِدَيْنِ طُغْيَانُ الْحُكْمِ الِاسْتِبْدَادِيِّ وَجُنُونُ الْعِشْقِ ; فَكَثِيرًا مَا قَتَلَ الْمُلُوكُ أَوْلَادَهُمْ ، وَكَانَتْ سُنَّةُ سَلَاطِينِ آلِ عُثْمَانَ أَنْ تُسَلِّمَ الْقَوَابِلُ أَبْنَاءَ أُسْرَتِهِمْ كُلَّهُمْ لِلْقَتْلِ عَقِبَ الْوِلَادَةِ إِلَّا مَنْ يُسَمَّى وَلِيَّ الْعَهْدِ الْوَارِثَ لِلسَّلْطَنَةِ ، وَيَلِي ذَلِكَ قَتْلُ الْوَالِدَيْنِ حَتَّى الْأُمَّهَاتِ بِثَوَرَانِ جُنُونِ الْعِشْقِ .