فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 52590 من 466147

لَأَهْلَكَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَفَسَدَ نِظَامُ الْعَالَمِ، وَصَارَتْ حَالُ الدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ وَالْوُحُوشِ أَحْسَنَ مِنْ حَالِ بَنِي آدَمَ، وَإِنْ قَالَ:"بَلْ لَا تَتِمُّ الْمَصْلَحَةُ إلَّا بِذَلِكَ"؛ قِيلَ لَهُ: مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ عُقُوبَةَ الْجُنَاةِ وَالْمُفْسِدِينَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمُؤْلِمٍ يَرْدَعُهُمْ، وَيَجْعَلُ الْجَانِيَ نَكَالًا وَعِظَةً لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، وَعِنْدَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ إفْسَادِ شَيْءٍ مِنْهُ بِحَسَبِ جَرِيمَتِهِ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.

[التَّسْوِيَةُ فِي الْعُقُوبَاتِ مَعَ اخْتِلَافِ الْجَرَائِمِ لَا تَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ]

وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِبَدَائِهِ الْعُقُولِ أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي الْعُقُوبَاتِ مَعَ تَفَاوُتِ الْجَرَائِمِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ، بَلْ مُنَافٍ لِلْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنَّهُ إنْ سَاوَى بَيْنَهَا فِي أَدْنَى الْعُقُوبَاتِ لَمْ تَحْصُلْ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ، وَإِنْ سَاوَى بَيْنَهَا فِي أَعْظَمِهَا كَانَ خِلَافَ الرَّحْمَةِ وَالْحِكْمَةِ؛ إذْ لَا يَلِيقُ أَنْ يَقْتُلَ بِالنَّظْرَةِ وَالْقُبْلَةِ وَيَقْطَعَ بِسَرِقَةِ الْحَبَّةِ وَالدِّينَارِ.

وَكَذَلِكَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْعُقُوبَاتِ مَعَ اسْتِوَاءِ الْجَرَائِمِ قَبِيحٌ فِي الْفِطَرِ وَالْعُقُولِ، وَكِلَاهُمَا تَأْبَاهُ حِكْمَةُ الرَّبِّ تَعَالَى وَعَدْلُهُ وَإِحْسَانُهُ إلَى خَلْقِهِ، فَأَوْقَعَ الْعُقُوبَةَ تَارَةً بِإِتْلَافِ النَّفْسِ إذَا انْتَهَتْ الْجِنَايَةُ فِي عِظَمِهَا إلَى غَايَةِ الْقُبْحِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الدِّينِ أَوْ الْجِنَايَةِ الَّتِي ضَرَرُهَا عَامٌّ؛ فَالْمَفْسَدَةُ الَّتِي فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ خَاصَّةً، وَالْمَصْلَحَةُ الْحَاصِلَةُ بِهَا أَضْعَافَ أَضْعَافِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] فَلَوْلَا الْقِصَاصُ لَفَسَدَ الْعَالَمُ، وَأَهْلَكَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ابْتِدَاءً وَاسْتِيفَاءً، فَكَانَ فِي الْقِصَاصِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ التَّجَرُّؤِ عَلَى الدِّمَاءِ بِالْجِنَايَةِ وَبِالِاسْتِيفَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت