على أن الإسلام يشرع للدنيا لا لقوم خاص وأمة معينة، والملل الراقية إنما حكمت بما حكمت بعد ما أذعنت بتمام التربية فِي أفرادها وحسن صنيع حكوماتها ودلالة الإحصاء فِي مورد الجنايات والفجائع على أن التربية الموجودة مؤثرة وأن الأمة فِي أثر تربيتهم متنفرة عن القتل والفجيعة فلا تتفق بينهم إلا فِي الشذوذ وإذا اتفقت فهي ترتضي المجازاة بما دون القتل، والإسلام لا يأبى عن تجويز هذه التربية وأثرها الذي هو العفو مع قيام أصل القصاص على ساق.
ويلوح إليه قوله تعالى: فِي آية القصاص {فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} ، فاللسان لسان التربية وإذا بلغ قوم إلى حيث أذعنوا بأن الفخر العمومي فِي العفو لم ينحرفوا عنه إلى مسلك الانتقام.
وأما غير هؤلاء الأمم فالأمر فيها على خلاف ذلك والدليل عليه ما نشاهده من حال الناس وأرباب الفجيعة والفساد فلا يخوفهم حبس ولا عمل شاق ولا يصدهم وعظ ونصح، وما لهم من همة ولا ثبات على حق إنساني، والحياة المعدة لهم فِي السجون أرفق وأعلى وأسنى مما لهم فِي أنفسهم من المعيشة الردية الشقية فلا يوحشهم لوم ولا ذم، ولا يدهشهم سجن ولا ضرب، وما نشاهده أيضا من ازدياد عدد الفجائع فِي الإحصاءات يوما فيوما فالحكم العام الشامل للفريقين - والأغلب منهما الثاني - لا يكون إلا القصاص وجواز العفو فلو رقت الأمة وربيت تربية ناجحة أخذت بالعفو (وإلإسلام لا يألو جهده فِي التربية) ولو لم يسلك إلا الانحطاط أو كفرت بأنعم ربها وفسقت، أخذ فيهم بالقصاص ويجوز معه العفو.
وأما ما ذكروه من حديث الرحمة والرأفة بالإنسانية فما كل رأفة بمحمودة ولا كل رحمة فضيلة، فاستعمال الرحمة فِي مورد الجاني القاسي والعاصي المتخلف المتمرد والمتعدي على النفس والعرض جفاء على صالح الأفراد، وفي استعمالها المطلق اختلال النظام وهلاك الإنسانية وإبطال الفضيلة.