قال أبو حيان: وهذا لَيْسَ بجائزٍ على ما تقرَّر مِنَ العَطْفِ على الموضِع، فإنَّ مِنْ شرْطِهِ: أن يكُونَ ثمَّ مُحْرِزٌ للموْضِعِ، وطَالبٌ، والطالبُ للرفع وجودُ التَّنْوِينِ فِي المَصْدَر، هذا إِذَا سَلَّمْنَا أن"لَعْنَة"تنحلُّ لِحَرْفٍ مصدريٍّ، وفعْلٍ؛ لأنَّ الانحلال لذلك شرطُهُ أنْ يُقْصَدَ به العلاجُ؛ ألا ترَى أنَّ قوله: {أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين} [هود: 18] لَيْسَ المعنَى على تقْدير: أنْ يلْعَنَ اللَّهُ على الظالمين، بل المرادُ اللَّعْنَةُ المستقرَّة، وأضيفتْ للَّه على سَبِيلِ التَّخْصِيص، لا على سَبِيلِ الحُدُوث.
ونقلَ عن سِيبَوَيْهِ: أنَّ قولك: هَذَا ضَارِبُ زَيْدٍ غَداً وَعَمْراً، بنَصْب"عَمْراً": أنَّ نَصْبَه بفعْل محذوفٍ، وأبى أَنْ ينصبَهُ بالعَطْف على المَوْضِع، ثم بعد تَسْليمه ذلك كلَّه، قال: المَصْدرُ المُنَوَّن لم يُسْمَعْ بعده فاعِلٌ مرفعوعٌ، ومفعولٌ منصوبٌ، إِنَّمَا قاله البصريُّون قياساً على"أنْ والفِعْل"ومنَعَهُ الفَرَّاء، وهو الصحيحُ ثم إِنَّه خَرَّجَ هذه القراءة الشَّاذَّة على أحَدِ ثلاثةِ أوجُهٍ:
الأول: أن تكونَ الملائكةُ مرفوعةً بفعلٍ محذُوفٍ، أي:"وتَلَعَنُهُمُ المَلاَئِكَةُ"؛ كما نصَبَ سِيبَوَيْهِ"عَمْراً"فِي قولِكَ"ضَارِبُ زَيْداً وَعَمْراً"بفعْلٍ محذوفٍ.
الثاني: أَنْ تكُونَ الملائكةُ عَطْفاً على"لَعْنَةُ"بتقدير حَذْف مضافٍ، أي:"وَلَعْنَةُ المَلاَئِكَةِ"فَلَمَّا حذَفَا المضافَ، أُقِيمَ المضافُ إلَيْه مُقَامَهُ.