وذكر المحققون فِي إفادة اختلاف الحركة المدح والذم أن أصل المدح والذم من كلام السامع ، وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له: قام زيد . فربما أثنى السامع على زيد وقال: ذكرت والله الظريف وذكرت العاقل . أو هو - والله - الطريف ، أو هو العاقل . فأراد المتكلم أن يمدحه بمثل ما مدحه به السامع فجرى الإعراب على ذلك أي أريد الظريف أو العاقل {والبأساء} الفقر والشدة {والضراء} المرض والزمانة . وهما فعلاء من البؤس والضر لا أفعل لهما لأنهما ليسا بنعتين {وحين البأس} القتال فِي سبيل الله والجهاد . وأصل البأس الشدة {أولئك الذين صدقوا} فِي إيمانهم وجدّوا فِي الدين {وأولئك هم المتقون} ونظير هاتين الجملتين فِي القطع للاستئناف قوله {أولئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5] كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات وصفوا بالبر الذي هو أصل كل خير؟ فأجيب بأن أولئك الموصوفين لهم قدم صدقٍ فِي الإسلام ، وهم المتسمون بسمة التقوى . وكل منهم منطو على جميع الخيرات ومتضمن لكل المأمورات والمنهيات ، فلهذا اتصفوا بتلك الصفات . وذكر الواحدي ههنا أن الواوان فِي هذه الأوصاف للجمع . فمن شرائط البر وتمام شرط البار أن يجتمع فيه هذه الأوصاف ، ومن قام بواحدة منها لم يستحق الوصف بالبر فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر وكذا الصابر فِي البأساء ، بل لا يكون قائماً بالبر إلا عند استجماع هذه الخصال حتى قال بعضهم: إن البر من خواص الأنبياء . والحق أنه ليس بمستبعد أن يوجد فِي الأمة موصوف بالبر إلا أن كمال البر لا يكون إلا فِي النبي ولا سيما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . ثم إن أهل الكتاب كما أخلوا بجميع أوصاف البر أخلوا بالإيمان بالله {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} [التوبة: 30] {وقالت اليهود يد الله مغلولة} [المائدة: 64] وذهبت اليهود إلى التجسيم