انتظم ذكر الكتمان بما تقدم من ذكره جلَّ ذكره في قوله تعالى:(يَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ)إلى قوله: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا
قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) .
ثم استاق - جلَّ جلالُه - بعد قصص بني إسرائيل وفي أثناء ذلك يخاطب المؤمنين، ويأمر
بأوامر وينهى عن مناهي.
ثم ثنى على ما تقدم ذكره من الكتمان قوله جل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا
أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ
وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) .
ثم ذكر - جلَّ جلالُه - توبة من كتم ولبس بالباطل، فشرط فيها الإصلاح لما أفسده،
والبيان لما كتمه، والإقلاع وترك العودة بمقتضى لفظ التوبة.
ثم قال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) فجمع بهذا العموم
كفر العناد والشرك وكفر الكتمان وغيره، ثم أقام - جلَّ جلالُه - الدلالة على ما أخبر به من
تحقيق الوحدانية وإثبات الإلهية بتوابع ذلك، وقد تقدم فيما مضى.
ثم ثنى - جلَّ جلالُه - على ذلك هَاهُنَا ذكر الكتمان تعظيمًا لشأنه وتشديدًا عنه، يعرض
في ذلك كله لعباده المؤمنين بما أجاب أولئك في نبوتهم وكتابهم تأديبًا منه لهم
بغيرهم وتعليمًا بسواهم، وهو الرؤوف الرَّحِيم.
(فصل)
قوله عزَّ من قائل: (أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ(159) . قيل:
معناه: وتلعنهم الملائكة - عليهم السلام - والمؤمنون، وقيل: يلعنهم كل شيء ،
وهو الأوجه؛ إذ كل ما أوجده اللَّه جلَّ ذكره شاهد له دال عليه، لا يعرف الكتمان
ولا هو من شأنه، بل جميع الموجودات يشهد عند من استشهدها وترشد من
استرشدها، ويؤدي شهادتها عند ألباب المعتبرين وعقول المتفكرين، قد كتمت
الكتمان وأظهرت النصيحة والتبيان، فمن كتم الحق عن طالبه لعنه كل شيء من
ليس من شأنه الكتمان.