إن قيل: كيف يكون مثلهم مثل الناعق والذين كفروا بالمنعوق به أشبه ، والذي ينعق بالمنادي ، والداعي أشبه قيل: التشبيه ضربان ، تشبيه مفرد بمفرد وحقه أن يحمل أحدهما على الأخر [نحو زيد كأسد ، وتشبيه جملة بجملة] ولا يراعي فيه مقابلة الألفاظ المفردة ، فلما شبه قصة الذين كفروا فِي إعراضهم عن الداعي لهم إلا الحق بقصة الناعق ، [قدم ذكر الناعق ليبنى] عليه ما يكون منه ، ومن المنعوق به ، وعلى هذا قوله {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} وقوله: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} وقيل: عنى بالذين كفروا المتبوعين لا التابعين ، ومعناه: مثل الدين كفروا فِي دعائهم أتباعهم كمثل الناعق بالغنم [الذي لا يسمع لها الصوت] ....
قوله - عز وجل -:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}
الآية (172) - سورة البقرة.
إن قيل: ما فائدة إعادة هذا المعنى وقد تقدم آنفا ؟ وما الفرق بين هذا الخطاب والخطاب الأول ؟ قيل فِي ذلك لطيفة وإشارة عجيبة ، وذلك أنه حيث خاطب الناس كافة قال: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} ، فأباح لهم ذلك ، ونبه أنه لم يحظر عليهم إلا تناول المحرم ، وعقبه بالنهي عن اتباع الشيطان ، وجعل الخطاب فِي هذه الأيام مخصوصاً بالمؤمنين وأمرهم أن لا يتوسعوا فِي تناول