فمن قال بحل عينها للضرورة ذهب إلى أن الحظر والإباحة لا يقع في الأصل لعين الشيء ، ولا يتكلم فيها بحل ولا حرمة بحيث العين، بل الحرمة والحل هي الواردة عليها، موجبة حق الحرمة، ثم الحرمة ترتفع بالضرورة. فيبقى عينه على ما كان في الأصل.
ومن قال بحرمة عينها وبحل التناول منها ذهب إلى أن الحرمة حدثت لما كانت ميتة ومهلًّا لغير وجه اللَّه. فحدوث الحل للضرورة يدل على أن العلة كانت هي الضرورة في حق رفع حرمة التناول، ولم ترفع حرمة عينها إلا أنه أبيح التناول منها للضرورة على بقاء الحرمة. ولكن يجب ألا يتكلم في هذا ومثله بحرمة العين وحلها بعد أن تكون الإباحة للضرورة؛ إذ لله أن يحل عينا محرمة في حال الاضطرار، وله أن يحرم عينها ويحل التناول منها للاضطرار. فالتكلم فيه فضل وتكلف. وباللَّه التوفيق.
ثم المسألة في الباغي والعادي: يحرم عليه التناول منها في حال الاضطرار أم لا؟ قال بعض أهل العلم: محرم ذلك عليه لأوجه:
أحدها: لأنه ظالم. وفي المنع عن التناول منها زجر عن الظلم، وفي إباحة التناول منها إعانة على الظلم، لذلك حرم عليه.
والثاني: أن القاتل عوقب عندما يأوي إلى الحرم بترك المؤاكلة والمشاربة والمجالسة إلى أن يضطر فيخرج عقوبة له. فكذلك هذا يحرم عليه التناول منه عقوبة له إلى أن ينزجر.
وقال: إنه قد استحق بالبغي على أهل الإسلام العقوبة العظيمة، ويعاقب بهذا أيضًا.
ثم من قول هذا الرجل في الباغي: أنه إذا أتلف أموال أهل العدل لا يتعرض له بها ولا يغرم. وكذلك العادل إذا أتلف أموال أهل البغي لا غرامة عليه.
والغرامة نوع من العقوبات، فإذا استويا في سقوط الغرامة - وإن كان أحدهما ظالمًا - كيف لا استويا أيضًا في هذا؟ وما الذي يوجب التفرقة بينهما؟