عن الإسلام بحال الذي ينعق بالغنم، أو تشبيه حال المشركين فِي إقبَالهم على الأصنام بحال الداعي للغنم، وأيّاً ما كان فالغنم تسمع صوت الدعاء والنداء ولا تفهم ما يتكلم به الناعق، والمشركون لم يهتدوا بالأدلة التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون قوله: {إلا دعاء ونداء} من تكملة أوصاف بعض أجزاء المركب التمثيلي فِي جانب المشبه به، وذلك صالح لأن يكون مجرد إتمام للتشبيه إن كان المراد تشبيه المشركين بقلة الإدراك، ولأَنْ يكون احتراساً فِي التشبيه إن كان المراد تشبيه الأصنام حين يدعوها المشركون بالغنم حين ينعق بها رُعاتها فهي لا تسمع إلاّ دُعاء ونداء، ومعلوم أن الأصنام لا تسمع لا دعاء ولا نداء فيكون حينئذٍ مثل قوله تعالى: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة: 74] ثم قال: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} [البقرة: 74] .
وقد جوز المفسرون أن يكون التمثيل على إحدى الطريقتين، وعندي أن الجمع بينهما ممكن ولعله من مراد الله تعالى؛ فقد قدمنا أن التشبيه التمثيلي يحتمل كل ما حَمَّلْتُه من الهيئة كلها، وهيئةُ المشركين فِي تلقي الدعوة مشتملة على إعراض عنها وإقبال على دينهم كما هو مدلول قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع} [البقرة: 170] الآية، فهذه الحالة كلها تشبه حال الناعق بما لا يَسمع، فالنبي يدعوهم كناعققٍ بغنم لا تفقه دليلاً، وهم يدعون أصنامهم كناعق بغنم لا تفقه شيئاً.
ومن بلاغة القرآن صلوحية آياته لمعان كثيرة يفرضها السامع. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 111 - 112}