وعرِّفنا يا ربنا أماكن حجنا ومذابح هدينا، واقبل توبتنا وتوبة ذريتنا، إنك أنت - لا سواك - مانح التوبة، والمتفضل بقبولها وإن عَظُمَ الذنب وتعدد، وأنت كثير الرحمة، عظيم الإحسان.
فإن قيل: إن الأنبياء لا يعصون ربهم، فما وجه طلب إبراهيم وإسماعيل من ربهما أن يتوب عليهما؟ أي يقبل توبتهما:
فالجواب: أن ذلك محمول على هضم النفس، أو على أن يتوب عليهما مما خالفا به الأَوْلى، أو فعلاه سهوًا أو أفراد ذرياتهما.
129 - {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
يا ربنا، وأتمَّ على ذريتنا نعمتك: بأَن تبعث فيهم رسولًا منهم، لا من غيرهم. يتحدث بلغتهم ويقرأُ عليهم آياتك البينات، ويعلمهم معاني القرآن وأسراره، ويعلمهم الحكمة. أي وضع الأمور في مواضعها، ويطهرهم من دنس الشرك وقبيح العادات، إنك أنت يا رب - لا سواك - العزيز: الغالب الذي لا يُقهر، الحكيم: المدبر عن حكمة وإتقان.
تفصيلات لبعض ما تقدم: لم نشأْ أن نقطع على القاريء اتصال المعنى الإجمالي بشيء من التفصيلات وقد رأينا أن نأْتي بما يلزم منها فيما يلي.
في نداء إبراهيم وإسماعيل لله - سبحانه - بعنوان الربوبية لهما إذ يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} مظهر من مظاهر الخضوع والإجلال له - سبحانه - وقد أكد رجاءَهما في تقبله - تعالى - لدعائهما بقولهما: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فإن من كان هذا شأنه يتفضل بقبول عملنا الذي علم أننا أخلصناه لوجهه.
وبما أنهما مسلمان مخلصان له تعالى، يكون قولهما: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} مراد منه: أَدِم علينا نعمة هذا الإسلام لك: بامتثال أوامرك واجتناب نواهيك دائمًا. فالمسلم لا يطلب أن يُجعل مسلمًا، بل أن يدوم على إسلامه، والمقصود من الإسلام فيما قالا: الخضوع والاستسلام إلى الله - تعالى - بتوحيده، ونفي الشركاء والأولاد والزوجات عنه - تعالى - وغير ذلك من أمهات الفضائل: التي اشتركت فيها جميع الأديان، إلى جانب ما اختصا به في شريعتهما.