الثاني أن الروح إنما يرقى بها الملك بعد مفارقتها، وحينئذ يقال من يرقى بها.
وأما قبل المفارقة فطلب الرقية للمريض من الحاضرين أنسب من طلب علم من يرقى بها إلى الله.
الثالث أن فاعل الرقية يمكن العلم به فيحسن السؤال عنه ويفيد السامع.
وأما الراقي إلى الله فلا يمكن العلم بتعيينه حتى يسأل عنه و (مَن) إنما يسأل بها عن تعيين ما يمكن السائل أن يصل إلى العلم بتعيينه.
الرابع أن مثل هذا السؤال إنما يراد به تحضيض وإثارة اهتمام إلى فعل يقع بعد من نحو قوله {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} أو يراد به إنكار فعل ما يذكر بعدها
كقوله {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِه}
وفعل الراقي إلى الله لا يحسن فيه واحد من الأمرين هنا بخلاف فاعل الرقية فإنه يحسن فيه الأول.
الخامس أن هذا خرج على عادة العرب وغيرهم في طلب الرقية لمن وصل إلى مثل تلك الحال فحكى الله سبحانه ما جرت عادتهم بقوله وحذف فاعل القول، لأنه ليس الغرض متعلقاً بالقائل بل بالقول، ولم تجر عادة المخاطبين بأن يقولوا من يرقى بروحه.
فكان حمل الكلام على ما ألف وجرت العادة بقوله أولى، إذ هو تذكير لهم بما يشاهدونه ويسمعونه.
السادس أنه لو أريد هذا المعنى لكان وجه الكلام أن يقال من هو الراقي ومن الراقي، ولا وجه للكلام غير ذلك كما يقال من هو القائل منكما كذا وكذا.
وفي الحديث: من القائل كلمة كذا.
السابع إن كلمة من إنما يسأل بها عن التعيين كما يقول من الذي فعل كذا ومن ذا الذي قاله فيعلم أن فاعلاً وقائلاً فعل وقال، ولا يعلم تعيينه فيسأل عن تعيينه بـ (مَن) تارة وبـ (أي) تارة وهم لم يسألوا عن تعيين الملك الراقي بالروح إلى الله
فإن قيل بل علموا أن ملك الرحمة والعذاب صاعد بروحه ولم يعلموا تعيينه فيسأل عن تعيين أحدهما؟
قيل هم يعلمون أن تعيينه غير ممكن فكيف يسألون عن تعيين ما لا سبيل للسامع إلى تعيينه، ولا إلى العلم به.
الثامن أن الآية إنما سيقت لبيان يأسه من نفسه ويأس الحاضرين معه وتحقق أسباب الموت وأنه قد حضر ولم يبق شيء ينجع فيه ولا مخلص منه، بل هو قد ظن أنه مفارق لا محالة.
فالحاضرون قد علموا أنه لم يبق لأسباب الحياة المعتادة تأثير في بقائه فطلبوا أسباباً خارجة عن المقدور تستجلب بالرقى والدعوات فقالوا {مَن راقٍ}
أي من يرقى هذا العليل من أسباب الهلاك، والرقية عندهم كانت مستعملة حيث لا يجدي الدواء.