إِلَيْهَا وَلا تَأْمَنْهَا, إِنَّمَا أُسْكِنْتَهَا لِتَخْرُجَ عَنْهَا, فَتَأَهَّبْ لِلنُّقْلَةِ فَمَا يُسْتَوْطَنُ مَعْبَرٌ, أَيْنَ مَنْ كَانَ يَتَنَعَّمُ فِي قُصُورِهَا قَدْ فَسَّحَ لِنَفْسِهِ فِي تَوَانِيهَا وَقُصُورِهَا, خَدَعَتْهُ وَاللَّهِ بِغَرِيرِ غُرُورِهَا بَعْدَ أَنْ سَاسَ الرَّعَايَا وَدَبَّرَ, نَقَلَتْهُ وَاللَّهِ صَرِيعًا سَرِيعًا وَسَلَبَتْهُ وَاللَّهِ مَا جَمَعَهُ جَمِيعًا, وَبَزَّتْهُ كِبْرًا كَبِيرًا وَعِزًّا مَنِيعًا, أَتُرَاهُ يَفْتَخِرُ فِي قَبْرِهِ أَوْ يَتَكَبَّرُ, خَلا بِعَمَلِهِ فِي ظَلامِ لَحْدِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ غَيْرُ اجْتِهَادِهِ وَجِدِّهِ, لَوْ قُضِيَ بِرُجُوعِهِ إِلَى الدُّنْيَا وَرَدَّهُ لَحَدَّثَنَا بِهَذَا أَوْ أَخْبَرَ.
فَتَنَبَّهْ أَنْتَ مِنْ رَقَدَاتِكَ, وَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ فِي حَيَاتِكَ, فَلَقَدْ بَالَغَتِ الزَّوَاجِرُ فِي عِظَاتِكَ, كَمْ تَسْمَعْ مَوْعِظَةً وَكَمْ تَجْلِسُ تَحْتَ مِنْبَرٍ, يَا لَهَا مِنْ نَصِيحَةٍ لَوْ وَجَدَتْ نَفَاذًا, هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْكَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَلاذًا, وَالشَّيْءُ إِذَا لَمْ يَنْفَعْ فَرُبَّمَا آذَى, وَأَنْتَ يَا هَذَا بَعْدَ هَذَا بِنَفْسِكَ أخبر.
إِلَى صَلاحِكَ وَتَلافِيكَ, وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ الْعَائِبُ وَتَلا فِيكَ, أَمَا يُزْعِجُكَ تَخْوِيفٌ: {وَتِلْكَ الْقُرَى أهلكناهم} أما ينذرك إعلام: {وكذلك أخذ ربك} أما يقصم عرى عزائمك: {وكم قصمنا من قرية} أَمَا يُقْصِرُ مِنْ قُصُورِكَ: {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مشيد} أَمَا يَكْفِي لِمِثْلِكَ مَثَلٌ: {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قبلهم المثلات} أَمَا رَأَيْتَ شَمَالَ الْعُقُوبَةِ كَيْفَ فَرَّقَتْ شَمْلَهُمْ, لَقَدْ مَرَّتْ فِي جَوِّ التَّخْوِيفِ تَهْتِفُ بِالْعُصَاةِ: {فكلا أخذنا بذنبه} .
يَا هَذَا لا نَوْمٌ أَثْقَلُ مِنَ الْغَفْلَةِ, وَلا رِقٌّ أَمْلَكُ مِنَ الشَّهْوَةِ, وَلا مُصِيبَةٌ كموت القلب, ولا نذيراً أَبْلَغُ مِنَ الشَّيْبِ:
(أَلا تَسْلُو فَتَقْصُرُ عَنْ هَوَاكَا ... فَقَدْرُ شَيْبِ رَأْسِكَ كَانَ ذَاكَا)
(أَكُلُّ الدَّهْرِ أَنْتَ كَمَا أَرَاكَا ... تُرَاكَ إِلَى الْمَمَاتِ كذا تراكا)
(أَرَاكَ تَزِيدُ حِذْقًا بِالْمَعَاصِي ... وَتَغْفَلُ عَنْ نَصِيحَةِ من دعاكا)