وعلى هذا يخرج تأويل قوله: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) ، إنما كذبهم بما قالوا من إيجاب تلك الحقوق والأحكام على أنفسهم في نسائهم من غير أن جعل الله تعالى ذلك، أي: وإنهم ليقولون منكرا وزورا في إيجاب الحقوق فيهن كما في الأمهات، وتشبيههم إياهن بالأمهات في الأحكام والحقوق والحرمة، وإن كان كلامهم وقولهم من حيث ظاهر التشبيه ليس بمنكر ولا بزور، وهذا كقوله في وصف المنافقين: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) ، وهَؤُلَاءِ المنافقون فيما قالوا في الظاهر كانوا صدقة، ولكن لما كان قصدهم غير ذلك، وكان في قلوبهم إيجاب شيء غير ما أظهروا - سماهم: كذبة، فكذلك هَؤُلَاءِ المظاهرون لما أرادوا إيجاب حكم لم يجعل لهم ذلك سمى قولهم: منكرا وزورا.
والمنكر: هو الذي لا يعرف في الشريعة، والزور: هو الكذب؛ فنهاهم اللَّه تعالى عن ذلك.
وأما قولهم: إن اللَّه تعالى قد سمى غير من يلزمهم: أمهات من نساء النبي - عليه السلام - والمرضعات -: منهم من قال: جائز أن تكون هذه الآية متقدمة على قوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) ، وعلى قوله: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) ، فلم يكن في ذلك الوقت أمهات من رضاع، ثم كانت من بعد؛ فيكون الإخبار بهذا مقيدا بذلك الوقت، وهو كقوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) ، لم يجد في ذلك الوقت، ثم وجد من بعد ذلك غيره محرما، فعلى ذلك هذا.
وقيل: يحتمل أن يكون قال ذلك في قوم خاص وقبيلة خاصة، لم يكن لهم أمهات من إرضاع؛ فيكون الإخبار بأن أمهاتهم لسن إلا اللائي ولدنهم صدقا.