ثم ساق - سبحانه - ألوانا أخرى من الأدلة التي تدل على وحدانيته وقدرته فقال:
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ.
والأيام: جمع يوم، واليوم في اللغة مطلق الوقت، أي: في ستة أوقات لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى - . وقيل: هذه الأيام من أيام الدنيا.
والاستواء في اللغة: يطلق على الاستقرار، كما في قوله - تعالى - وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ أي استقرت سفينة نوح - عليه السلام - عند ذلك الجبل المسمى بذلك الاسم ..
كما يطلق بمعنى القصد، ومنه قولهم: استوى إليّ يخاصمني، أي: قصد لي. كما يطلق بمعنى الاستيلاء والقهر، ومنه قول الشاعر: قد استوى بشر على العراق.
وعرش الله، مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم أما حقيقته وكيفيته فلا يعلمها إلا الله - تعالى - .
وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية من القرآن الكريم، كما ذكر الاستواء على العرش في سبع آيات.
أي: هو - سبحانه - الذي خلق السماوات والأرض في ستة أوقات، ثم استوى على العرش، استواء يليق به - تعالى - . بلا كيف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، لاستحالة اتصافه - تعالى: بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
قال الإمام مالك - رحمه الله - الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ثم بين - سبحانه - شمول علمه فقال: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها.
وقوله: يَلِجُ من الولوج بمعنى الدخول، يقال: ولج فلان بيته، إذا دخله.
وقوله: يَعْرُجُ من العروج وهو الذهاب في صعود، والسماء، جهة العلو مطلقا.
أي أنه - سبحانه - يعلم ما يلج في الأرض، وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء، ومن جواهر وكنوز قد طويت في باطنها، ومن بذور ومعادن في طياتها.
ويعلم - أيضا - ما يَخْرُجُ مِنْها من نبات وحبوب وكنوز، وغير ذلك من أنواع الخيرات، ويعلم - كذلك - ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من أمطار، وثلوج، وبرد، وصواعق، وبركات، من عنده - تعالى - لأهل الأرض.