العقابِ والثوابِ.
والمعاصِي التي يعاقبُ عليها العبدُ يومَ القيامةِ نوعانِ: حقُّ اللَّهِ ، وحقُّ
العبادِ ، وأولُ ما يُقضَى فيه يومَ القيامةِ من حقوقِ اللَّهِ الصلاةُ ، ومن حقوقِ
العبادِ الدماءُ.
وأمَّا البرزخُ فقضى فيه في مقدماتِ هذَينِ الحقَّينِ ووسائِلِهما ، فمقدمةُ
الصلاةِ: الطهارةُ من الحَدَثِ والخَبثِ ، ومقدمةُ الدماءِ النميمةُ والوقيعةُ في
الأعراضِ ، وهما أيسرُ أنواع الأذى ، فيبدأ في البرزخ بالمحاسبةِ والعقابِ
عليهِما.
وروى عبدُ الرزَّاقِ ، عن معمر ، عن أبي إسحاقَ ، عن أبي ميسرةَ ، عمرِو
بنِ شرحبيلَ ، قالَ: ماتَ رجلٌ ، فلمَّا دخلَ في قبرهِ أتتْه الملائكةُ ، فقالُوا: إنا
جالدوكَ مائةَ جلده من عذابِ اللَّهِ ، قال: فذكرَ صلاتَهُ وصيامَه واجتهادَهُ
قال: فخفَّفُوا عنه حتى انتهى إلى عشرة ، ثم سألَهُم ، فخَّففوا عنه حتَّى انتهى
إلى واحدة ، فجلدوه جلدةً اضطرمَ قبرُه نارًا ، وغُشِيَ عليه ، فلما أفاق قالَ:
فيم جلدتمُونِي هذه الجلدة ؟
قالوا: إنَّك بُلْتَ يومًا ، ثم صليتَ ولم تتوضأْ.
وسمعتَ رجلاً يستغيثُ مظلومًا ، فلم تغثْهُ.
ورواهُ أبو سنان ، عن أبي إسحاقَ ، عن أبي ميسرةَ ، بنحوِه.
ورويناه من طريقِ حفصِ بن سليمانَ القارئِ وهو ضعيفٌ جدًّا ، عن
عاصمٍ ، عن أبي وائلٍ ، عن ابنِ مسعودٍ ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - به.
فعذابُ القبرِ حصلَ ها هنا بشيئينِ: أحدُهما: تركُ طهارةِ الحَدثِ.
والثاني: تركُ نصرةِ المظلومِ مع القدرةِ عليه ، كما أنه في الأحاديثِ المتقدمةِ
حصلَ بتركِ طهارةِ الخبثِ ، والظلم بالقولِ ، وهي متقاربةٌ في المْعنَى.
وفي حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ سمرةَ ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"إنّي رأيتُ الليلَة عجبًا"فذكرَ الحديثَ بطوله ، وفيه:"رأيتُ رجُلاً من أمَّتي بُسِطَ عليه عذابُ القبرِ ، فجاءَهُ وضوءُه فاستنقذَهُ منه".