وقولُه:"أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافر ، فأمَّا من قالَ: مُطرْنَا بفضلِ اللَّهِ ورحمتِهِ ، فذلكَ مُؤْمنٌ بِي كافرٌ بالكوكَبِ ، وأمَّا منْ قالَ: بِنَوءِ كذَا وكذَا ، فذلك كافرٌ بي مُؤْمنٌ بالكَوْكبِ".
يعني: أنَّ مَن أضافَ نعمةَ الغيثِ وإنزالهِ إلى الأرضِ إلى اللهِ عز وجل
وفضلِه ورحمتهِ ، فهو مؤمنٌ باللَّهِ حقًّا ، ومَن أضافَه إلى الأنْواءِ ، كما كانتِ
الجاهليةُ تعتادُه ، فهو كافر باللَّهِ ، مؤمنٌ بالكوكبِ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ: النوءُ في كلامِ العربِ: واحدُ أنْواءِ النجومِ ، وبعضُهم
يجعلُه الطالعَ ، وأكثرهُم يجعلُه الساقطَ ، وقد تسمَّى منازلُ القمرِ كلُّها أنواءً ، وهي ثمانية وعشرونَ.
وقال الخطابيُّ ، النوْءُ واحدُ الأنواءِ ، وهي الكواكبُ الثمانيةُ والعشرونَ التي
هي منازلُ القمرِ ، كانوا يزعمونَ أنَّ القمرَ إذا نزل ببعضِ تلكَ الكواكبِ
مُطِروا ، فجعل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سقوطَ المطرِ من فعلِ اللَّهِ دونَ غيرِه ، وأبطل قولَهم. انتهى.
وقال غيرُه: هذه الثمانيةُ وعشرونَ منزلاً تطلعُ كلَّ ثلاثةَ عشرَ يومًا منزلَ
صلاةِ الغداةِ بالمشرقِ ، فإذا طلعَ رقيبُه منَ المغربِ ؛ فسمِّيت أنواءً لهذا المعنى.
وهو من الأضدادِ ، يقال: ناءَ إذا طلعَ ، وناء إذا غربَ ، وناءَ فلان إذا
قربَ ، وناء إذا بعدَ.
وقد أجرى اللَّهُ العادة بِمَجيء المطر عند طلوع كلِّ منزلٍ منها ، كما أجرى
العادة بِمجيءِ الحرِّ في الصيف ، والبردِ في الشتاءِ.
فإضافةُ نزولِ الغيثِ إلى الأنْواءِ ، إنِ اعتقدَ أنَّ الأنواءَ هي الفاعلةُ لذلك.
المدبرةُ له دونَ اللَّهِ عز وجل ، فقد كفرَ باللَّهِ ، وأشركَ به كفرًا ينقله عن ملةِ
الإسلامِ ، ويصيرُ بذلك مرتدا ، حكمُه حكمُ المرتدينَ عن الإسلامِ ، إن كان
قبل ذلك مسلمًا.
وإن لم يعتقدْ ذلكَ ، فظاهرُ الحديثِ يدلُّ على أنه كفرُ نعمةِ اللَّهِ.