ولقد تعددت الأقوال في تأويل «اللمم» المستثنى في الآية الثانية حيث قيل إنه الذنب الذي يتوب عنه فاعله أو صغائر الذنوب أو الذنب الذي لم يذكر الله عليه حدا ولا عذابا أو ما يخطر على القلب من ذنوب أو ما ليس عادة متكررة أو النظرة غير المتعمدة أو القبلة والغمزة والنظرة. والذي نرجحه هو أنه صغائر الذنوب والهفوات التي لا يمكن للطبيعة البشرية أن تتفاداها. ولقد روى الترمذي في صددها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقول:
«إن تغفر اللهم تغفر جمّا ... وأي عبد لك لا ألمّا»
مما فيه تدعيم لذلك. وعلى هذا تكون الآية الثانية قد احتوت مبدأ قرآنيا جليلا متمشيا مع الوقائع وطبائع الأمور. فالناس بسبب ما فيهم من غرائز تسوقهم إلى ما يرون فيه نفعهم وتدفعهم عما يرون فيه من ضرر لا يمكن أن يكونوا معصومين من الوقوع في الأخطاء واقتراف الذنوب والانحراف. غير أن من هذه الذنوب والأخطاء والانحرافات ما يكون كبائر وفواحش ويكون مخالفته لحقوق الله وضرره العظيم للناس واضحا لا يدق عن الأفهام بصورة عامة، ومنه
الهفوات التي قد تبدر عن حسن نية أو غفلة أو تقصير غير متعمد فيه الضرر والإثم والمخالفة. أو التي يكون ضررها محدودا ضئيلا. ومنه كذلك خلجات النفس الآثمة التي تظل في القوة ولا تخرج إلى حيّز الفعل. فالواجب المحتم على الناس أن يجتنبوا كبائر الإثم والفواحش على كل حال ولا يمكن أن يعذروا على اقترافها. أما تلك الهفوات والأخطاء والإلمامات العابرة والخلجات التي لا تخرج إلى نطاق الفعل فإن الله عز وجل يشملها بعفوه وغفرانه إذا كانت صدرت من صاحبها عن نية حسنة أو غفلة أو تقصير أو اضطرار ولم يكن ضررها كبيرا، وكان صاحبها مؤمنا مجتنبا للكبائر.
وفي سورة النساء آية فيها هذا المعنى بأسلوب إيجابي قوي داعم لما قررناه وهي: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (31) حيث يتساوق التلقين القرآني المدني مع التلقين القرآني المكي تساوقا رائعا قويا.