وهذه الذرّة هي بذرة الخير وموضع الإيمان في الإنسان، ومنها تنطلق حركةُ الخير، ألا تراه يندم على الذنب ويعزم على التوبة؟ إنه عملُ هذه الذرة وأثرها في النفس الإنسانية لأنها أول مَنْ سمع نداء الله وبلاغٌ عن الله.
والقرآن الكريم أفاد أن الجنَّ أوعى من الإنس في هذه المسألة، فإذا كان الإنسانُ قد تجرأ على الحق سبحانه وتعالى ونسب له الولدَ؛ فالجنُّ نفتْ ذلك ونزَّهتْ الله عن الولد وعن الصاحبة، واقرأ قوله تعالى:
{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} [الجن: 3] .
يعني من عظمته تعالى أنه لم يتخذ لا صاحبة - يعني زوجة - ولا ولداً، والمتأمل يجد أن الصاحبة والولد من أسباب الفساد في الكون، يقول تعالى:
{إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14] .
ونحن نقول مثلاً في أعراف البشر: تزوج مبكراً لتجنبَ ولداً يعولك في شيخوختك، وهل الحق سبحانه يتخذ الولد لأنه في حاجة إليه كما نحتاجه نحن؟ ثم الذين قالوا إن عيسى ابنُ الله ما قولهم في الزمن قبل عيسى ألم يكُنْ لله فيه ولد؟ وما بعد عيسى أين الولد الذي اتخذه الله؟ إذن: هذا كله افتراءٌ على الله.
{سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}
من المناسب أنْ تبدأ هذه الآية بكلمة {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الزخرف: 82] بعد الحديث في الآية السابقة عن نَفْي الولد عن الله تعالى، كلمة (سُبْحان) يعني: تنزيهاً لله تعالى عن كلّ ما يدور بخاطرك.
لذلك لا تأتي كلمة سبحان الله إلا مقترنة بشيء عجيب فوق تصوّر العقل البشري:
{سُبْحَانَ الَّذِي خَلَق الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36] .
{سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا} [الإسراء: 1] .
يعني: حينما تقف عقولكم عند هذه المسائل قولوا سبحان الله، ونزِّهوا الله عن مشابهة الخَلْق، ولا تقيسوا قوته بقوتكم، ولا فعله بفعلكم، ولا قدرته بقدرتكم، نزِّهوا الله في أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله.