(قال) أي مالك {إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77] باقون في النار خالدون فيها، لأنه لا عذرَ لكم {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ ..} [الزخرف: 78] أي: الدين الحق والمنهج الحق {وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [الزخرف: 78] وهذا معنى
{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76] .
ثم يُوجه السياقُ الحديثَ إلى سيدنا رسول الله، وكثيراً ما يخاطبه ربه ليُسلِّيه ويُخفِّف عنه لأنه لاقى من عَنَت قومه وعنادهم الكثير، وآذوه في نفسه وذاته حينما أغروا به سفهاءهم ورَمَوه بالحجارة حتى أدْموا قدميه، وألقوا سقط البعير والقاذورات على ظهره وهو يصلي.
وآذوه في معنوياته فقالوا عنه: ساحر وكاهن وكذاب وشاعر ومجنون، فالحق سبحانه يُبيِّن له أنه جاء على فترة من الرسل بعد أنْ فسدَ الخَلْق وانتشر الشرُّ، ووراء هذا الفساد قومٌ يستفيدون منه ويدافعون عنه، وطبيعي أنْ يصادموك وأنْ يقفوا في وجه دعوتك، لأنهم يريدون الإبقاء على مكانتهم وانتفاعهم بهذا الفساد.
وقد وصل كُرْه هؤلاء لرسول الله أنْ بيَّتوا للقضاء عليه والخلاص من دعوته، قال تعالى:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] .
وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم:
{أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ}
يعني: أحكموا كيداً لك يا محمد وبيَّتوه واتفقوا عليه، فلا تهتمَّ لأننا لهم بالمرصاد {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} [الزخرف: 79] يعني: نحكم كيداً كما أحكموا كيداً. ونحن نعلم ما يُبيِّتونه ولا يخفى علينا، وهم لا يعلمون ما نُبيِّته لهم، إذن: أيُّ الفريقين أقوى؟
{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}
أيظنون أنَّا لا نسمع ما يُبرمونه وما يُحكِمون تخطيطه لإيذاء رسول الله، ولا نسمع سِرهم، والسر هو الحديث تُسِرُّ به إلى آخر، أو السرُّ إذا سمعتَ شيئاً وبقي سِراً في صدرك لا يطلع أحدٌ عليه.